خلال الحرب العالمية الثانية، قال هارولد ماكميلان، الذي أصبح فيما بعد رئيس وزراء بريطانيا، إن أميركا بمثابة "الإمبراطورية الرومانية الجديدة، وعلينا نحن البريطانيون، على غرار الإغريق القدماء، أن نعلم الأميركيين كيف يديرون الأمور".
كيف سارت عملية تعليم أهل أثينا لروما؟
لقد شارف التدخل العسكري في ليبيا على الانتهاء الآن بعد مرور خمسة أشهر، في الوقت الذي ذكرت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه سيستغرق "أياماً فقط، وليس أسابيع"، وهو التعهد الذي تحمس له رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أكثر من أوباما نفسه، الذي قلما يتحدث عن الأمر. وقد جاء التدخل بعد الرغبة الجامحة والمفاجئة التي اعترت كاميرون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لشن "حرب إنسانية". وقبل أن يصبح هدفها تغيير النظام، كان الغرض من تلك الحرب منع الزعيم الليبي معمر القذافي من التسبب في كارثة إنسانية. ويتحدث المسؤولون هنا عن "جريمة ترتكب ضمن حيز نطاقنا". ولكن ما هو نطاقنا؟
بعد خلع القذافي الآن، وبعد انتداب دول أخرى لم يتم تحديدها بعد لحماية ليبيا من فوضى مؤكدة بعد الحرب، سيتمكن أولئك المهتمون بالجانب الأخلاقي من الإجابة عن هذا السؤال: هل نجحت عمليات الناتو، التي لم تشهد مشاركة سوى أقلية من أعضاء الحلف، في تحقيق هدفها الإنساني المتمثل في الحد من العنف في ليبيا؟
وعند ذلك سيكون بمقدور الناس أن يقرروا مدى عقلانية التعهد الذي تكفلت به الحكومة البريطانية، التي أعلنت عن تدابير تقشفية نتيجة للركود الاقتصادي، حتى قبل أن تنوي الانخراط في عمليات عسكرية في ليبيا، مما أسفر عن فجوة كبيرة بين الأهداف السياسية والموارد العسكرية المتاحة.
وفي محاضرة أخيرة له، حاول الصحفي والمؤرخ المتميز ماكس هيستنغز، لفت انتباه القادة البريطانيين إلى أن الأميركيين لم يعودوا يكترثون لأمرهم كما في السابق، فقد ضعف حسهم بالانتماء إلى أوروبا، وقل احترامهم للجيش البريطاني، الذي تقلص إلى حد كبير.
ففي عام 2002، وأثناء التحضيرات للحرب على العراق، قال قائد الجيش البريطاني آنذاك لهيستينغز، بعد عودته من زيارة إلى واشنطن: "الحجم مهم، ونحن نفتقر إلى ذلك". وأشار هيستنغز إلى أن قوات المارينز الأميركية تفوق القوات الجوية الملكية البريطانية حجماً. ويدرك الأميركيون أنه "إذا تقلص الجيش البريطاني، كما هو مخطط له بعد الانسحاب من أفغانستان، فلن يكون في وسعنا سوى نشر لواء واحد من سبعة إلى ثمانية آلاف رجل للمهمات الخارجية".
ومن جهة أخرى، حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن قائلاً: "مع وتيرة الخفض الحالية يصعب توقع كيف ستتمكن أوروبا من الحفاظ على قدرات عسكرية كافية للمشاركة" في المستقبل في عمليات عسكرية، كتلك التي تجري في ليبيا. ورغم ارتفاع الناتج القومي الإجمالي لدول حلف الناتو بنسبة 55% منذ نهاية الحرب الباردة، فقد انخفض إنفاقها العسكري بنسبة 20%. ومنذ عشرين عاماً، كانت تلك الدول تقدم 33% من نفقات الحلف، أما اليوم فهي تقدم 21% فقط.
ولذلك حذر وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس، قبل استقالته، من أن مواصلة تخفيض السلاح في أوروبا، قد تدفع القادة الأميركيين في المستقبل "إلى الاعتقاد بأن الاستثمار الأميركي في حلف شمال الأطلسي غير مجد".
إن حلف "ناتو" الذي ولد لمواجهة الجيش السوفييتي في سهول شمال أوروبا، قد يكون يلفظ أنفاسه الأخيرة في شمال إفريقيا، بعد انتهاء الحرب الليبية.