يبدو الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي أكثر ضعفا على نحو متزايد، مع تقدم قوات الثوار "المدعومة من ناتو"، في إطار حملة جيدة التخطيط للإحاطة بقاعدة سلطته في طرابلس وعزلها. وقد سقطت في يد الثوار بالفعل مدن على جانب كبير من الأهمية، مثل الزاوية. ويعد انضمام عبد السلام الجلود، الرجل الثاني السابق في النظام الليبي وأحد القريبين من العقيد معمر القذافي، إلى صفوف الثوار، وكذلك هرب وزير الداخلية الليبي ناصر المبروك عبد الله، الذي وصل إلى مصر مؤخرا مع تسعة من أفراد عائلته، ضربة خطيرة أخرى موجهة إلى النظام الليبي. وهكذا فإن القذافي محاصر وخائر القوى، ويبحث عن مخرج يكفل له الحفاظ على ماء وجهه.
إنها مسألة وقت إذا قبل أن يسلم النظام الليبي بهزيمته، ولكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ إن الغرب يفقد ثقته بالمجلس الوطني الانتقالي، الذي يبدو غير قادر على توحيد العناصر المتباينة في صفوف الثوار والسيطرة عليها، وهي العناصر التي لا يبدو فحسب أنها لا تستطيع التعايش معا، وإنما تلوح كما لو كانت على شفا أن يحارب بعضها بعضا.
إن المكون الإسلامي في قوى الثوار في ليبيا، يعد قويا وجيد التسليح بفضل الغارات على مخازن أسلحة النظام، ومعارض على نحو صريح لـ"ناتو"، وقد رفضت الميليشيا الإسلامية الرئيسية وهي لواء أبو عبيدة بن الجراح، القتال ضد قوات القذافي تحت راية غربية، ولكنها تبقي على الأمن الداخلي، وربما كانت عناصر هذه المجموعة هي المسؤولة عن اغتيال عبد الفتاح يونس قائد قوات الثوار، في 28 يوليو الماضي. وكان يونس وزيرا لداخلية النظام الليبي، وتولى رئاسة المشاركين في عمليات قمع ضارية، بصفة خاصة للانتفاضة الإسلامية في منتصف التسعينات.
والتفسيرات المتعددة الأخرى لاغتيال يونس هي أمور محتملة، وتقدم توصيفا جيدا للفوضى والاقتتال الداخلي اللذين تتسم بهما المعارضة الليبية، حيث يذهب فريق إلى القول بأن يونس لم يهرب حقيقة من معسكر القذافي وإنما كان جاسوسا للنظام، بينما ذهب فريق آخر هو لواء شهداء 17 فبراير، إلى القول إن يونس لقي مصرعه على يد متسللين بعث بهم القذافي، وأحد عناصر السي آي أيه وعقيد سابق في الجيش الليبي يدعى خليفة حفتر، هو الذي اصطدم مع يونس صراحة حول السيطرة على الذراع العسكري للمجلس الوطني الانتقالي.
وفي ظل الضغوط التي تعرض لها رئيس المجلس الوطني الانتقالي عبد الجليل مصطفى، قام بإقالة مجلس الوزراء بكامله، باستثناء رئيس المجلس محمود جبريل. وقد قصد بهذه الخطوة أيضا تهدئة مشاعر الانزعاج التي سادت صفوف مؤيدي المجلس الغربيين. وبينما كان القادة الأميركيون والبريطانيون والفرنسيون على وعي بوجود عنصر إسلامي داخل قوات الثوار الليبيين، فإنهم ظنوا أن هذا العنصر يمكن السيطرة عليه، ومصدر القلق الآن هو أنه في صراع أزلي يمكن أن ينعقد له لواء السيطرة. وعلى الرغم من المخاوف المبررة التي تستشعرها بريطانيا وأميركا و 28 دولة أخرى، فقد بادر إلى الاعتراف بالمجلس الانتتقالي باعتباره حكومة شرعية ليبية. ورغم غياب مجلس الوزراء، فقد دعي المجلس مؤخرا للسيطرة على السفارتين الليبيتين في لندن وواشنطن، وفي غضون ذلك فإن مبعوثين من القذافي قد نشطوا في السعي إلى الوصول لسيناريوهات تكفل له الخروج من مأزقه.
إن ليبيا تواجه الخطر المتمثل في أن ينتهي بها الأمر إلى حكومة مركزية ضعيفة وغير ديمقراطية، تحظى بدعم "ناتو"، ويقودها رئيس مذعن تحاصره الميليشيات ذات التوجه الإسلامي، كما هي الحال في أفغانستان.