منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 والمشروع النووي المصري شبه متوقف، هذا المشروع الذي بدأته مصر في سنوات الستينات في زمن الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، والذي كانت مصر تعتمد فيه على الاتحاد السوفييتي بشكل كبير، وكان مشروعا سلميا مئة بالمئة، لكنه رغم هذا كان مرفوضا من إسرائيل وحلفائها الغربيين، الذين كانوا يخشون تحول هذا المشروع في أية لحظة إلى المجالات العسكرية.
كما أنه كان مرفوضا من حيث المبدأ لأنه كان يدخل ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لدولة مصر ونظامها الثوري المعادي لإسرائيل وللسياسات الغربية في المنطقة، ولهذا دأب الغرب على محاربة تطور هذا المشروع منذ لحظة رحيل الرئيس عبد الناصر ونظامه، وأصبح البرنامج النووي المصري خاضعا تماما للرقابة الغربية، ولم يعد في مقدور مصر أن تبني محطات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية إلا بموافقة الغرب ومن الجهات التي تحددها واشنطن بالتحديد، حتى لو كانت التكلفة المادية عالية ولا تتحملها الموازنات المالية المصرية، وحدث أكثر من مرة أن أجريت مناقصات على مشاريع بناء محطات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية في مصر، وكانت روسيا دائما تشارك في هذه المناقصات وبعروض مغرية من حيث التكلفة والتقنية والضمانات الأمنية، لكن العطاءات كانت تذهب دائما للشركات الغربية.
ونظرا للمعدلات العالية للزيادة السكانية وما يصاحبها من نشاطات مستهلكة للطاقة، فإن مصر بحاجة ماسة لمصادر جديدة للطاقة. وعلى سبيل المثال، كثيرا ما يعاني سكان العاصمة القاهرة الذين يمثلون خمس تعداد سكان البلاد من انقطاع التيار الكهربائي في فصل الصيف. هذا إلى جانب توقف بناء المشاريع العديدة في مصر بسبب نقص مصادر الطاقة، ومنها مشاريع تحلية مياه البحر في شمال مصر، والتي تحتاج لمحطات نووية.
الآن وبعد الثورة الأخيرة في مصر وسقوط نظام الرئيس مبارك، يدور في مصر الحديث حول العودة لتطوير البرنامج النووي المصري، هذا في الوقت الذي تذهب فيه العديد من الدول للتخلي عن الطاقة النووية بسبب مخاطرها، خاصة بعد كارثة محطة «فوكوشيما-1» إثر الزلزال المدمر الذي ضرب اليابان في الحادي عشر من مارس الماضي، لكن الخبراء يقولون إنه يصعب تصور الحياة في العالم الحديث بدون هذا النوع من الطاقة. لذا من المتوقع أن يتم رفع معايير بناء المحطات بدون استغناء عن الطاقة النووية.
ولكن في مصر مشكلة أخرى يراها البعض أنها قد تكون عائقا أمام الاهتمام بهذا البرنامج الآن بالتحديد، وهي مشكلة تأمين المحطات الكهرذرية في حال تكرار ما شهدته مصر من حالة الانفلات الأمني وأعمال الشغب خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير، خاصة بعد التفجيرات الذي شهدها خط الغاز المصري المتجه لإسرائيل، حيث يخشى البعض من تعرض مشاريع المحطات النووية الجديدة في مصر لأعمال إرهابية بفعل جهات خارجية لا تريد لمصر التقدم باستقلال في هذا المجال، وقد تحدث في هذا الشأن مسؤول مصري رفيع المستوى قائلا: «من المستبعد أن تتعرض أية محطة كهرذرية لأي هجوم قائلا، إنها ليست سوبرماركت أو مركزا تجاريا، وإنما تعد من المواقع الإستراتيجية المرهونة بالأمن القومي للبلاد مثل المطارات أو القواعد العسكرية أو المتحف المصري. وإذا حاولت أية جهة أو مجموعة من البلطجية أو المخربين اقتحامها، فإن الجيش سيتدخل فورا لحمايتها».
السؤال المهم الآن، على من سوف تعتمد مصر في استيراد التقنيات النووية؟ خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر وأزماتها التي تحتاج لوقت طويل للخروج منها؟