تدخل الجيش التركي في سياسة بلاده منذ فترة طويلة، لكن لعبة السلطة التي شهدتها تركيا مؤخراً، من قبل شخصيات عسكرية بارزة تعد أمراً لافتاً للنظر، من منظور ما لم يحدث. فقد تقدمت باستقالاتها شخصيات قيادية في الجيش التركي، في صراع على السلطة مع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، إلا أن هذا الاستعراض للقوة لم يسقط حكومته.

 وهذه علامة طال انتظارها لتعبر عن نضج الديمقراطية التركية، على أمل أن يتفهم جنرالات تركيا دورهم الصحيح في الحياة السياسية لبلادهم. لقد اعتبرت المؤسسة العسكرية التركية نفسها ضامنةً للتقاليد العلمانية في البلاد، وهذا يعني أن الجيش لم يبد أي تردد في التدخل عندما بدا أن الحكومة تحيد عن الطريق الذي اعتمده مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية الحديثة في عام 1923. وكانت النتيجة وقوع ثلاثة انقلابات، وعزل رئيس وزراء إسلامي النزعة في عام 1997. وفي أكثر الأحيان، لم يضطر الجيش للتدخل بالقوة، وبدلاً من ذلك كان يعلن عن خياراته والساسة يذعنون لها.

لقد تغيرت العلاقة بين المدنيين والعسكريين منذ انتخابات 2002، التي جلبت إلى السلطة حزب العدالة والتنمية الإسلامي (المعروف بالأحرف الاولى في تركيا "إيه كي بي"). وتعد تركيا دولة ذات أغلبية مسلمة، لذلك فإن الصعود السياسي لحزب العدالة والتنمية إلى السلطة ربما كان مجرد مسألة وقت، لكن حتمية هذا الصعود لم يقلل من حدة التوتر بينه وبين الجيش.

ولحسن الحظ، فإن حزب العدالة والتنمية هو حزب معتدل، الأمر الذي خفف من حدة بعض الاعتراضات من قبل العسكريين. كما ساعدت طموحات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يطالب أعضاؤه بمؤهلات ديمقراطية صارمة، على تخفيف حماس العسكريين للتحرك المباشر ضد الحكومة.

ومع ذلك، فإن كلا الجانبين، من المحافظين والسياسيين الإسلاميين، لا يزالون يساورهم الشك كل حيال الآخر. فالقوى العلمانية تشير إلى التحركات التي تقوم بها الحكومة، مثل رفع الحظر المفروض على ارتداء النساء للحجاب في الجامعات، على أنها علامات لزحف الحركة الإسلامية. فالإسلاميون يشيرون إلى وجود "ايرجينيكون"، وهي سرية يمينية متطرفة كانت تخطط لزعزعة استقرار الدولة من خلال أعمال الإرهاب والاغتيالات.

وهناك أكثر من 500 شخص، الكثير منهم يرتبط بالجيش، تم اقتيادهم إلى السجن، وتم توجيه التهم لأكثر من 300 آخرين بالانتماء إلى منظمة إرهابية. لكن أكثر العمليات إثارة للانزعاج تمثلت في الاعتقالات الجماعية في فبراير 2010 على خلفية عملية "المطرقة"، وهي مؤامرة شهيرة لإشعال شرارة انقلاب في تركيا.

ويفترض أنه تم الكشف عنها خلال ندوة عقدها الجيش في عام 2003، وأسفرت عن محاكمات لأكثر من مئتي شخص، كان العديد منهم، مرة أخرى، شخصيات عسكرية رفيعة المستوى. وقال المتهمون إن خطط الانقلاب كانت مجرد تدريب عسكري للطوارئ. وكنتيجة لقضايا مختلفة، فإن كل جنرال يحمل رتبة عسكرية بأربع نجوم في القوات الجوية، يتم اتهامه بارتكاب جريمة، وتم الزج بنصف أميرالات تركيا في السجن أيضا.

في التاسع والعشرين من يوليو الماضي، طلب رئيس الأركان التركي إسيك كوسانر وقادة الجيش والبحرية والقوات الجوية، إحالتهم إلى التقاعد المبكر. وقال الجنرال كوسانر إنه أصبح "من المستحيل" مواصلة الخدمة، بسبب احتجاز 250 من العسكريين في الخدمة والمتقاعدين. وتلت تلك الخطوة لائحة اتهام أخرى لاثنين وعشرين من كبار المسؤولين العسكريين، لاشتراكهم في حملة تشهير معادية للحكومة على شبكة الانترنت.