بلوغ الكمال أمر نادر في الحياة، لكنه أكثر ندرة في الحرب. إلا أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تقول إن لديها سجلاً مثالياً طوال العام، قوامه عدم سقوط قتلى في صفوف المدنيين بسبب حملتها في الهجوم بالطائرات الموجّهة عن بعد فوق الأراضي الباكستانية.

نجد أن ذلك الأمر يصعب تصديقه، وكذلك الحال بالنسبة لكثير من الباكستانيين والصحافيين والخبراء المستقلين، بمن فيهم من يدعمون برنامج الطائرات الموجّهة عن بعد.

ونظراً لكون هذا الادعاء يفتقر إلى الدليل، فإنه يثير الشكوك حول النوايا الأميركية، ويضر بالعلاقات الأميركية الباكستانية. لقد وسّعت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى حد كبير، نطاق حرب الظل ضد المتشددين، وذلك باستخدام القوة العسكرية ووكالة الاستخبارات المركزية، لتعقبهم وقتلهم في اثنتي عشرة دولة. وتعد باكستان، وهي معقل حركة طالبان وتنظيم القاعدة، المقر البارز في الحرب الروبوتية.

ووفقا للصحافية سكوت شين من صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، فإن وكالة الاستخبارات المركزية تقول إنه منذ شهر مايو 2010، قتلت الطائرات الأميركية الموجّهة عن بعد، أكثر من 600 مسلح في باكستان دون أن تقتل عنصراً واحداً غير مسلح.

ومنذ عام 2001 كان إجمالي عدد القتلى مروعاً، حيث بلغ ألفين من المسلحين و50 شخصاً من غير المسلحين. ويشير تقرير حديث صادر عن مكتب الصحافة الاستقصائية في جامعة سيتي في لندن، إلى رواية مختلفة.

فالتقرير يقول إن معظم الـ1842 الذين قتلوا في أكثر من 230 ضربة، بأوامر من الرئيس أوباما، في باكستان منذ عام 2008 كانوا من المسلحين، لكن هناك ما لا يقل عن 218 منهم ربما كانوا من المدنيين.

وبينما كان هناك تراجع على ما يبدو في عدد الضحايا من المدنيين خلال العام الماضي، إلا أن بيانات المكتب أشارت إلى "أدلة ذات مصداقية" على مقتل ما لا يقل عن 45 من غير المقاتلين.

الأمر يبدو تقريباً كما لو كانت هناك حقائق متوازنة، فوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تدعي أن هجوما شن في السادس من مايو الماضي على شاحنة صغيرة على طول الحدود الأفغانية، قضى على الأهداف المقصودة فقط، والمتمثلة في مقتل تسعة مسلحين ونسف مواد كانت تستخدم في صنع القنابل.

لكن الصحافيين البريطانيين والباكستانيين يقولون إن الصواريخ ضربت مدرسة دينية ومطعما مجاورا ومنزلا، ما أسفر عن مقتل 12 مسلحاً وستة مدنيين. ليس هناك شك في أن برنامج الهجمات بالطائرات الأميركية الموجّهة عن بعد كان ناجحاً، حيث مكّن الولايات المتحدة من تعطيل تنظيم القاعدة وحلفائه في المنطقة الحدودية الباكستانية غير الخاضعة للقانون.

صحيح أن التكنولوجيا الدقيقة والجهود الأميركية أبقت عدد الوفيات بين الأشخاص من غير المقاتلين عند الحد الأدنى، خاصة في منطقة شمال وزيرستان النائية، حيث وقع معظم الضربات، فمن الصعب العثور على الحقيقة.

ولكن ألم تقع إصابات بين المدنيين؟ لقد أثارت الضربات الجدل في باكستان منذ وقت طويل، حيث أججت المشاعر المناهضة للولايات المتحدة. ويؤدي رفض واشنطن أن تكون أكثر شفافية حيال هذا البرنامج، إلى نتائج عكسية.

وينبغي أن تقدم تفاصيل عامة بقدر الإمكان، بما في ذلك الخسائر في صفوف المدنيين.

ولا بد للحكومة الباكستانية أن تنهي ازدواجيتها في التعامل مع الأمور، حيث تسمح بالضربات سراً، وتدينها علانية.

لقد أصبح استخدام الطائرات الموجّهة عن بعد أمراً جوهرياً في الحرب الحديثة، فالولايات المتحدة بحاجة إلى أن تكون صادقة بشأن ما يمكن لهذا النوع من الطائرات القيام به، وبشأن عيوبها أيضاً.