انتهت في اللحظة الأخيرة، المحادثات الصعبة التي أجراها الرئيس الأميركي باراك أوباما وخصومه من الجمهوريين، بهدف رفع سقف الدين الأميركي، وأصبحنا شاهدين على جولة جديدة من منافسة حادة، هدفها الحقيقي بالنسبة لأحد الطرفين هو عدم السماح بتمديد حكم الرئيس الأميركي الحالي، بينما يهدف الطرف الآخر إلى البقاء في منصبه بعد العام 2012.

وقد قال مصدر قريب من الإدارة الأميركية "لو اقتصر الموضوع على الدين فقط لكان قد بت فيه خلال ساعتين فقط".بلغ احتداد الأهواء في المطبخ السياسي الأميركي مستوى جعل أطرافه تستخدم الدعايات الإعلامية الموجهة، فمن جهة سرّب معارضو أوباما إشاعة حول خطط للرئيس في إبقاء خمس قواعد عسكرية دائمة في أفغانستان بعد انسحاب قوات الناتو منها، وهذا ما أجبر السفير الأميركي في كابول - بإيعاز من البيت الأبيض- على النفي القاطع لهذا الاحتمال.

وتظهر الأوساط السياسية في أميركا مستوى منقطع النظير من الأنانية والجشع في ما يتعلق بالمسألة الأفغانية، فلم يترفع معارضو أوباما عن الألعاب السياسية المتدنية وبشكل واضح، كما في حادثة الأب جونسون التي أدت إلى صدامات دموية في أفغانستان.

ولكن هذه الألعاب السياسية الداخلية وعدم استقرار التوجه الأميركي في المسألة الأفغانية، يمكن أن يؤدي إلى نتائج استراتيجية خطيرة، إذ تظهر على أرض الواقع في منطقة آسيا الوسطى والجنوبية، هوة عميقة من عدم الاستقرار يمكن أن تجر المنطقة كلها إلى فوضى عارمة تدوم عشرات السنوات، وهذا بطبعه يؤثر على عدد كبير من الدول، ومنها روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وآسيا الوسطى وباكستان وإيران والصين والهند.

أولا، يمكن اعتبار مهمة حلف شمال الأطلسي اليوم مهمة فاشلة، وثانيا، يمكن لانسحاب القوات الأميركية المفاجئ أن يؤدي إلى كارثة دولية، وثالثا، يعتبر العامل الباكستاني عاملا أساسيا في حل المشكلة الأفغانية.

وبعض المصادر في البيت الأبيض يقول إن الوسط المحيط بأوباما يؤيد الرأي المذكور، وفي إطار المحادثات المغلقة التي كان موضوعها رسميا البحث في أمر الدين الأميركي، تم بحث أمور أخرى بعيدة عن الدين، بما فيها المسألة الأفغانية، حيث حاول أنصار أوباما إقناع الجمهوريين بأهمية التركيز على المشكلة الباكستانية، التي لا ترتبط بالضرورة ببقاء القوات الأمريكية كليا أو جزئيا في أفغانستان.

ولكن حسب المعلومات المؤكدة، لا تثير المسألة الأفغانية أي اهتمام عند المعارضين الجمهوريين، والأهم بكثير بالنسبة لهم هو الوعود الانتخابية، كانسحاب القوات وما ينتج عن هذه الوعود وعدم تحقيقها من نفور الناخبين من رئيسهم. أي أنه لتحقيق مصالحهم الخاصة في المنافسة السياسية مع الرئيس الحالي، يجب إبقاء الأمور على حالها، على الأقل في السنة ونصف السنة القادمة، بل وزيادة حدة هذا النزاع.

هذا الموقف يولد مشاريع خيالية فعلا، كمخطط بليكفيل السفير الأميركي المتقاعد الذي اقترح تقسيم أفغانستان إلى قسمين، ويتوافق هذا المخطط تماما مع منطق السياسة الخارجية الأميركية التي تعمل لتحقيق مصالحها الخاصة، حتى ولو تعارضت مع القوانين والأعراف الدولية.

دراسة الوضع السياسي الداخلي في أميركا، تظهر أن الجمهوريين في مواجهتهم للرئيس يركزون، للأسف الشديد، على تكتيك الارتباطات ويريدون أن يحصلوا على أقصى ما يمكن مقابل التنازل في موضوع الدين. من الصعب التنبؤ بمستقبل الأحداث وما توصلت إليه المحاورات الأميركية في واقع الأمر، ولكن من الواضح أن هذه الاتفاقات مؤقتة، والمواجهات الحقيقية ما زالت تنتظرنا في المستقبل. ولكن استمرار واشنطن في هذا التوجه، أي الانغراس في العراك السياسي الداخلي ضاربة عرض الحائط بالأعراف الدولية، يمكن أن يؤدي إلى نتائج فادحة في المستقبل القريب وفي العالم كله، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.