اجتازت تركيا مرحلة حاسمة في طريقها إلى التطبيع. فقد اجتمع المجلس العسكري الأعلى التركي، المعروف اختصاراً باسم «ياس في غياب قادة قوات الجيش، الذين كانوا قد طلبوا التقاعد وبدأ اتخاذ قراراتهم.
في الماضي، كانت القيادة العسكرية العليا تفرض مطالبها على الإدارة، ولكن رجالها فضلوا هذه المرة الاستقالة. وتظهر التقارير الأولية أن مواقع الإنترنت المناهضة للحكومة و خطط الانقلاب والخاضعة حالياً للتحقيق تم التخطيط لها وإدارتها من قبل القيادة.
لا تزال عقلية العسكريين الأتراك تقوم على فكرة أن تخضع الشخصيات السياسية للرقابة وللتلاعب، في حين يتخذ القادة القرارات الجوهرية بأنفسهم. في الوقت الحاضر، فإن الجيش لا يملك القدرة على القيام بذلك، ولكن ليس من الواضح كيف سيعمل في حال تحقيق عملية التطبيع. ومما لا شك فيه، العمل في الجيش يتطلب مهارات معينة و استقلالاً ذاتياً جزئياً من قبل الحكومة لأداء مهمته. ومع ذلك، فمن الواضح أن الجيش في تركيا تجاوز الاستقلالية المهنية لدرجة العمل بشكل مستقل عن الحكومة. الحكومات المدنية في تركيا لم يكن لها علاقة على امتداد التاريخ بشؤون المؤسسة العسكرية، بما في ذلك تدريبها وهيكلها.
ولا يمكن القول إن الحكومة المدنية مؤثرة في هذين المجالين حتى الآن. فليس لأزمة الاستقالات الأخيرة علاقة بالتدخل المتصور من قبل الحكومة في الشؤون العسكرية. وبدلاً من ذلك، فقد انزعجت القيادة من الإجراءات القانونية التي اتخذت، أخيراً، في التحقيق في أنشطة غير مشروعة تم تنفيذها بناءً على أوامر عسكرية. ومن خلال احتجاجهم، فقد أعرب القادة عن دعمهم لضباط الجيش الموجودين حالياً في السجن.
وأكدوا دعمهم لما قاموا به كذلك. فقد اختارت المؤسسة العسكرية التركية، التي تضم الشباب من خلال الخدمة العسكرية الإلزامية، استخدام القوات المسلحة للشعب ضد الشعب. فقد تبين أخيراً أنها استخدمت مجموعة واسعة من الأساليب، بما في ذلك التزام الصمت إزاء الغارات التي شنها حزب العمال الكردستاني وتفجير المساجد، وذلك من أجل تنفيذ خططهم. فهم يشعرون الآن بعدم الارتياح لاكتشاف هذه الخطط. وبدا من الواضح أن التحولات الضخمة التي شهدتها تركيا خلال عملية سعيها إلى عضوية بالاتحاد الأوروبي لم يدركها الجميع بشكل صحيح حتى الآن.
ولن تقبل الظروف العالمية الحالية تركيا يقوم الجيش فيها بدور صانع القرار الوحيد. فعودة الجيش إلى ثكناته هي ضرورة تاريخية، و في الوقت الذي يعتبر ذلك أمراً جيداً، إلا أنه غير كافٍ. ينبغي أن يتضمن الدستور الجديد أحكاما تفوض محكمة النزاعات المالية للإشراف على الانفاق العسكري وتغيير محتوى المناهج الدراسية في المدارس العسكرية. وإلا فإن الجيش سوف يواصل تدريب ضباط الجيش الجدد من الشباب انتظاراً للظروف الملائمة، و البدء بالتدخل في الحياة السياسية. فمن الضروري إنشاء نظام تعليمي يلقن ضباط الجيش في المستقبل أن التدخل في السياسة يعتبر جريمة.
على الرغم من أنه من مصلحة تركيا في هذه اللحظة أن بعض وسائل الاعلام باستغلال مسألة استقالات الجنرالات لمهاجمة الحكومة لا يدعم الجيش علناً، فإنه ستظل فكرة جيدة بالنسبة لأولئك الذين يشككون في كثير من الأحيان في حرية الصحافة في تركيا أن يشككوا أيضا في هكيلية وسائل الإعلام التركية. فالتجديد والتحول في بعض أجهزة الإعلام، التي كانت معروفة بدعم الانقلابات العسكرية في الماضي، سوف يكونان مهمين لتحقيق الديمقراطية الحقيقية.