حدث ما لا مفر منه الآن، فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا ورئيس المجلس الانتقالي الوطني الليبي مصطفى عبد الجليل، أنه يمكن للقذافي أن يبقى في ليبيا إذا وافق على ترك السلطة. يأتي ذلك خلافاً للتصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في فبراير الماضي، الأمر الذي يوضح إلى أي مدى تمضي هذه الحملة العسكرية، حتى في أعين هؤلاء الذين قاموا بها. ولوحظ في وقت لاحق أن عبد الجليل تراجع عن هذا العرض، بذريعة أن الوقت قد فات.

لقد توقفت الهجمات على القذافي في بنغازي، وتم تحرير أجزاء من البلاد من سيطرة قواته في طرابلس. لكن النظام نفسه لم يلملم أوراقه للرحيل، كما توقع البعض أن يفعل ذلك بسهولة. فلم يتم قصف القذافي لإقصائه من طرابلس، وتقدم قوات الثوار براً بصورة مؤلمة، في ظل تصاعد موجة الغضب من قبلهم إزاء الهجمات الجوية من حلف "ناتو". فلا تزال قوات القذافي لديها حرية التقدم دون أن يتم كشفها، وإطلاق وابل من الصواريخ الكبيرة وزرع الألغام، وليست تصرفاتها مشابهة لتصرفات الجنود الذين هم على وشك الاستسلام.

لقد تم التخطيط لعودة وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ، لتتزامن مع زيارة إلى طرابلس يقوم بها المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، الذي يسعى إلى عملية سياسية من شأنها إنهاء الحرب. وتعتبر بداية شهر رمضان في أغسطس، هي الموعد المحدد لذلك. ويعد انتهاء التفويض بالعمل العسكري في نهاية سبتمبر، ميعاداً آخر.

قد تنطبق هذه المواعيد النهائية على مهمة حلف "ناتو"، لكن هناك القليل من الأدلة حتى الآن على أنها تقصف قواعد القذافي. فإذا كانت هذه الحرب حقاً في مراحلها النهائية، فلابد أن القذافي يهنئ نفسه على مرور أربعة أشهر نجا خلالها من القصف، دون تقديم أي تنازلات. وبالنسبة له يعتبر البقاء على قيد الحياة هو النصر.

وتنص الاستراتيجية الغربية المتفق عليها في اجتماع عقد مؤخرا في إسطنبول، على أن وقف القصف وإطلاق النار، لن يتم تفعيله إلا من خلال التزام رسمي واضح من جانب القذافي، بالتخلي عن مسؤولياته المدنية والعسكرية. بعد ذلك سيتم تشكيل حكومة مصالحة وطنية لقيام قيادة ليبية جديدة، والتي سوف تقرر عندئذ ما يجب القيام به مع القذافي وعائلته، وما يتعلق بمذكرات الاعتقال التي صدرت ضدهم من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب.

ولسنا بحاجة للإشارة إلى الدرس الذي يمكن أن يتعلمه القذافي من الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي ترك مصيره الشخصي في أيدي أولئك الذين أطاحوا به. لهذا السبب وحده، من غير المحتمل أن يشمر القذافي عن ساعد الجد الآن.

وبغض النظر عن الفوائد التي بدأ هيغ ونظيره الفرنسي آلان جوبيه تقديمها، فما زال "ناتو" يطالب بتخلي القذافي عن السلطة، كشرط مسبق لوقف إطلاق النار وإجراء محادثات مصالحة وطنية.

وإذا لم يتم تكثيف الضغط الاقتصادي والعسكري على القذافي داخل طرابلس، فإن هذا سوف يعتبر نوعاً من التظاهر. ومن غير المحتمل أن تكون عودة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة هي الأخيرة.