استمرار صمود الزعيم الليبي معمر القذافي أمام عمليات القصف التي تشنها قوات «ناتو» رغم النجاحات المتتالية التي يحرزها الثوار، يجعل التوصل إلى تسوية تفاوضية لإنهاء هذا الصراع يصب في مصلحة الشعب الليبي باعتباره أفضل الخيارات المطروحة.

فلم يسفر الاجتماع الذي عقد بين ممثلين عن القذافي ودبلوماسيين بارزين من الولايات المتحدة عن إنهاء الحرب المدنية الليبية وعمليات القصف التي يشنها «ناتو». لكن الاجتماع يؤكد على أن إمكانية التوصل إلى تسوية تفاوضية لا تزال قائمة. ورغم مرور أربعة أشهر على انطلاق الحملة، إلا أنه لا يزال الخيار الجدير بالاهتمام.

وكان وصف المسؤولين الأميركيين أن هذا الاجتماع ليس لقاء تفاوضياً، وأن جيفري فيلتمان مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى لم يقم سوى بتسليم رسالة مفادها أن على القذافي التنحي. لكن يمكن أن يشكل هذا الاجتماع، على ما يبدو، بداية لاتفاق آخر يضمن رحيل القذافي وانتقال السلطة من النظام الحالي إلى المجلس الوطني الانتقالي المعترف به من قبل الولايات المتحدة بوصفه الحكومة المعترف بها من قبل الولايات المتحدة و30 دولة أخرى.

ويبدو أن الاتفاق تم التوصل إليه وسط استمرار عمليات القصف من قبل قوات «ناتو» والنجاحات الميدانية التي يحرزها الثوار، الأمر الذي يشكل مزيداً من الضغط على القذافي، حتى إذا لم يتمكنوا من الإطاحة به. ففي أحسن الأحوال، يمكن أن يتطلع إلى بسط سيطرته على جزء من الأراضي الليبية. كما أنه لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يمثل عائقا أمام إمكانية سفره خارج ليبيا. والأمل الوحيد أمام القذافي هو أن يظل حبيس العاصمة طرابلس، ربما لا تطاله الضربات الجوية التي تشنها قوات «ناتو» على مراكز القيادة والسيطرة.

وكان قرار الأمم المتحدة بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا يهدف بالأساس إلى حماية المدنيين، غير أن تلك المهمة تطورت إلى حملة لتغيير النظام، وانتشرت التبريرات المخادعة التي تقول إن تغيير النظام هو جزء من عملية سياسية وليست عسكرية وإنه من المنطقي لهذا البلد البحث عن سبل تضع نهاية لسلطة القذافي.

ومع زيادة الضغوط التي تمارسها قوات «ناتو» العسكرية، فلن يستطيع القذافي الصمود لفترة طويلة معرضاً بلاده وشعبه لمزيد من الخراب. وهذا ما يجعل من التوصل إلى التسوية أمرا منطقيا لإنهاء الحرب في ليبيا وطرد الديكتاتور، ذلك أن القذافي قد يكون على استعداد للتخلي عن السلطة مقابل الحصول على ملاذ في مكان آخر.

إلا أن المشكلة في هذا السيناريو تكمن في صعوبة العثور على مكان للقذافي، وهي مشكلة معقدة ترجع أسبابها إلى توجيه المحكمة الجنائية الدولية اتهاماً للقذافي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وبرغم أن لائحة هذا الاتهام يمكن الدفاع عنها فإنها تجعل بعض الدول غير مستعدة لاستقبال ديكتاتور وحشي.

ففي نهاية المطاف، ومن وجهة النظر المثالي، سوف يظل سيناريو رحيل القذافي وتقديمه للعدالة هو الأفضل، لكن وفقا لظروف هذه الأزمة وتغليبا لمصالح الشعب الليبي، فإن ثمن رحيل القذافي ربما يكون تجنيبه محاكمة يستحقها».