في أحسن الأحوال، يعد قيام بريطانيا بنقل المسؤولية عن الأمن في منطقة "لشكركاه"، مقدمة للعودة إلى السيطرة الأفغانية في مناطق أخرى، ويجعل انسحاب القوات البريطانية أقرب إلى التحقق. وفي أسوأ الأحوال، سوف يكون من الصعب التغلب على الفوضى التي سوف يخلفها الانسحاب، في الوقت الذي تتسارع الخطى لتنفيذه.
ولا تنبئ بوادر الانسحاب بحدوث أمر حميد، فقد تصاعدت وتيرة العنف منذ إعلان الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، أنه سيتم تسليم أكثر من سبع مناطق للقوات الأفغانية في يوليو، بما في ذلك أماكن مثل مزار شريف التي كان يسودها الهدوء النسبي.
وتلا أول عملية لتسلم هذه المناطق من القوات الأميركية فى مقاطعة باميان، حادث مقتل أحد مستشاري الرئاسة في كابول. ورافق ذلك تسليم السلطة من قوات حلف "ناتو" في عاصمة مقاطعة "لغمان". ولا تزال قندهار تعاني حالة من التوتر، بعد مقتل الأخ غير الشقيق لقرضاي.
يعزو المتفائلون ذلك إلى وجود القوات الأجنبية، وليس غيابها، فيما اعتبروه أحد عوامل عدم الاستقرار، وأن هذه الموجة من ردود الأفعال هي أمر لا مفر منه، في الوقت الذي تشهد البلاد عملية التحول في مركز السلطة. ولكن إذا كان حلف "ناتو" بصدد القيام بعملية خروج غير مهينة، وفقا لجدول زمني وضعه الرئيس الأميركي باراك أوباما في عام 2014، فإنه لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به بوضوح.
وتضاف إلى ذلك حالة الهياج الشديدة، في أعقاب تكشف فضيحة التنصت التي ارتكبتها صحيفة "نيوز أوف ذا ورلد" التابعة لإمبراطورية الملياردير روبرت مردوخ الإعلامية، وثبت تورط النظام السياسي والشرطة البريطانية فيها، مما أجج حالة السخط الهائل في أوساط الرأي العام البريطاني.
وفي الوقت الذي تزداد هذه الأزمة احتداماً، فقد كشفت عن قدر كبير من الغرور المدمر، والذي تمثل في الاستخدام المعتاد للممارسات غير القانونية من قبل صحافيي "نيوز أوف ذا ورلد"، وعن الفساد داخل جهاز الشرطة، وعن العلاقة المشبوهة بين أهم العناصر المشكوك فيها في الصحافة الشعبية، وبين رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون.
لا بد أن هذه الأسرار المكتشفة تنطوي على أثر عميق ودائم، يتمثل في أن الرأي العام البريطاني له كل الحق في المطالبة بعدم تكرار ذلك مرة أخرى. لكن ينبغي علينا ألا ننسى أن هناك معارك أكثر سوداوية، لا تحدث في عالم الخيال وإنما في الواقع. فهي تقع في نطاق أفغانستان.
وخسائرها ليست مجرد تشويه السمعة، بل تطال المجندين من الرجال والنساء البريطانيين، الذين يؤدي مصرع بعضهم إلى تشريد أسرهم إلى الأبد. مرارا وتكرارا، يظهر جنودنا الشجاعة للذهاب إلى مواقف خطيرة لا يمكن تصورها، بناء على طلب من ذلك البلد، ومن واجبات الحكومة قبل كل شيء حماية الجنود بكل ما أوتيت من قوة.
لكن تقرير لجنة الدفاع البرلمانية الذي يتألف من 75 صفحة، والذي تكشفت تفاصيله لنا مؤخراً، هو فضح صادم ودقيق لكيفية فشل القوات البريطانية في مهمتها في منطقة هلمند في أفغانستان بداية من عام 2006، بسبب كبار الضباط والوزراء في الحكومة. وبذلك يتوالى مسلسل الفضائح.
يخلص التقرير إلى أنه منذ البداية، كانت المهمة في هلمند سيئة التخطيط، فقد وصل حجم القوة إلى 3150 جنديا بريطانيا، منهم حوالي 650 جندياً من القوات القتالية النشطة، بميزانية قدرها 808 ملايين جنيه إسترليني على مدى ثلاث سنوات.