قد تخفف موافقة البرلمان الإيطالي على حزمة التقشف بقيمة 40 مليار يورو، مؤقتاً، من حال الاضطراب في منطقة اليورو، إلا أنها لن تنهيه. ويشكل هذا التصويت إشارة لهدنة من الاقتتال السياسي الداخلي في روما، الذي هدد بتعريض استراتيجية تقليص الديون للخطر.

وكانت عملية بيع سندات الحكومة الإيطالية والتي تمت بنجاح، على الرغم من تكلفتها الباهظة، قد ساعدت في تثبيت الأوضاع وسط مخاوف بأن تنتشر عدوى منطقة اليورو إلى واحد من أكبر اقتصاداتها.

ولم يجر التأكد بعد من التخمينات بشأن قيام البنك المركزي الأوروبي بالتدخل لشراء ديون إيطاليا، لكنه سيكون إجراءً مهماً إذا ما صحت مصداقيته. وهو يعني أن البنك المركزي الأوروبي يحاول، أخيراً، وضع استراتيجية لاحتواء الأزمة، حيث إن النهج التدريجي الذي تبناه إلى الآن لم يكن جيداً بما يكفي. وبالطبع، قد نشهد مزيداً من الاضطراب عندما يجري نشر اختبارات التحمل لدى البنوك الأوروبية لإظهار مدى انكشافها على الديون السيادية.

وكما قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في مجلس النواب: «يتعين على دول منطقة اليورو الإقرار بأنه يتوجب عليها القيام بالمزيد من الإجراءات بصورة مشتركة وبشكل أسرع، ويتعين عليها تجاوز السوق بدلاً من قيامها بمجرد رد فعل على الأزمة المقبلة».

لكن كيف؟ ان إعادة الثقة المالية من خلال تقليص العجوزات هو أمر أساسي. لكن ما لم تكن البلدان التي اتخمت بالقروض الزهيدة على استعداد لتقليصها بشكل كبير، فإن ميزانية الإنقاذ لن تكون كافية لتغطية السيناريوهات الأكثر سوءاً، من ناحية حاجة كل من إيطاليا وإسبانيا إلى عملية إنقاذ.

ويعتقد الاقتصاديون أن صندوق الإنقاذ القائم قد يحتاج إلى زيادة رأسماله وصولاً إلى مبلغ ضخم يقدر بتريليوني يورو لإنهاء مخاوف السوق من عدم وجود الأموال اللازمة لدعم الدول المدينة في منطقة اليورو.

وهذا بالطبع يعيدنا إلى قلب المشكلة، ألا وهو رفض منطقة اليورو، وبالتحديد ألمانيا، في مواجهة عواقب الاتحاد النقدي. إن المهندسين الرئيسيين لليورو، وهم رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق جاك دلور، ومستشار ألمانيا الأسبق هلموت كول، والرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران، علموا افتراضياً الإجراءات التي تعين عليهم القيام بها. لقد أرادوا اتحاداً سياسياً ورأوا العملة الموحدة هي الطريق لتحقيق ذلك، تماماً كما تنبأت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر في قمة روما في عام 1990 مما عجل بسقوطها. وبعد عشرين عاماً، فإن ألمانيا، التي تمثل اقتصاد أوروبا القوي، تواجه الآن النتيجة المنطقية لما وافقت عليه حينئذ.

فإما ان تتوجه نحو التكامل التام، بسيطرة الاتحاد الأوروبي على الموازين والضرائب، مما يسمح بانتقال الأموال عبر منطقة اليورو، وبالتالي يزيل حالة التشكك التي تحيط بالدين السيادي للدول الأضعف، أو يمكنها الانسحاب من اليورو، وهو بالتأكيد ليس ما ترغب القيام به، حيث إن أمراً كهذا سيدمر المشروع السياسي، أو يمكنها الانتظار إلى ان تضرب مزيداً من الأزمات المنطقة، الواحدة تلو الأخرى وكل واحدة أسوأ من سابقاتها.

وفي نهاية المطاف فإن الأمر لا يتعلق فعلاً باليونان أو إيطاليا أو إيرلندا، بل كما كان دوماً، فإنه يتعلق بألمانيا.