أصدر المعهد الاسترالي للاقتصاد والسلام، أخيراً، مؤشر السلام العالمي 2011، الذي يشير إلى السيرة الذاتية للدول السلمية. فالمؤشر يرصد المدخرات التي حققتها دول العالم التي تعيش في سلام، حيث كشف عن أن هناك أكثر من 8 تريليونات دولار أنفقت خلال العام الماضي، ونحو 38 تريليون دولار أنفقت على مدى السنوات الخمس الماضية منذ بداية المؤشر.فلننظر إلى دولة مثل الولايات المتحدة، التي لا تبلي بلاءً حسناً على المؤشر، والتي يمكنها أن تستفيد من مثل هذا النوع من التغيير.
يصنف المؤشر 153 دولة، بالتنسيق مع وحدة الاستخبارات الاقتصادية.ويستعين ببيانات حول صراعات كل دولة على المستوى المحلي والدولي، والسلامة في المجتمع والوضع العسكري لكل دولة.ومن خلال قياس مجموعة من العوامل أبرزها جرائم العنف والقتل، ومقارنتها بمستويات معدلات الاحتجاز والوصول إلى الأسلحة، فإن مؤشر السلام يعد بمثابة مساهمة مهمة في النقاش حول الأمن العالمي.
وعلى النقيض من مؤشري الدول الفاشلة والإرهاب اللذين تصدرهما مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، فإن مؤشر السلام العالمي يعد واحداً من المؤشرات الأولى لتقييم التكلفة الحقيقية الناجمة عن العنف والاقتصادات الحقيقية للسلام.
يظهر مؤشر السلام 2011 أن العالم أصبح أقل سلمية في العام الماضي.وظهرت ايسلندا ونيوزيلندا واليابان في المراكز الثلاثة الأولى على التوالي من بين الدول الأكثر سلمية.وحققت دول الاتحاد الأوروبي أداءً جيداً، حيث حصلت على ستة مراكز من بين أعلى عشر دول، مع حصول كندا على الترتيب الثامن.
الأمر الأكثر إثارة للقلق في المؤشر، أن الولايات المتحدة حصلت على المركز 82 عالمياً، مبتعدة كثيراً عن حلفائها من دول الاتحاد الأوروبي بالمؤشر. وهذه الصورة ليست وردية بالنسبة لأميركا، ويبدو أنها تتلاشى في مواجهة مؤشرات «فورين بوليسي التي تظهر أن الولايات المتحدة من بين الدول الأكثر حرية وديمقراطية، وأقلها فشلاً.بالنسبة للولايات المتحدة، فإن البيانات المحلية بشأن العنف تثير الرعب على وجه الخصوص، على الرغم من أن أميركا تحسنت تدريجيا في السلام منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، بسبب الانخفاض الكبير في جرائم القتل والعنف. فلا يزال هناك نحو 100 ألف شخص في الولايات المتحدة يسقطون كل عام، في جرائم القتل أو الاعتداءات أو الانتحار أو الحوادث، أو بسبب تدخل الشرطة، حيث يلقى ثلثهم مصرعه.
وفي العام الماضي، شهدت أميركا 1.25 مليون جريمة عنف.وهناك واحد من بين مئة أميركي من البالغين يتعرض للسجن، وهو معدل عقابي لا يوجد في أي دولة أخرى غنية تقريبا يضاهي «أرض الحرية»، كما وصفتها وحدة الاستخبارات الاقتصادية. أما تكلفة هذا العنف فلا يمكن الدفاع عنها من الناحية المالية.وتشير تقديرات مراكز المراقبة والوقاية من الأمراض إلى أن كل فرد يتم إزهاقه في جرائم القتل يكلف الاقتصاد الأميركي 1.65 مليون دولار.وبالنسبة للسجون، فإن أميركا تنفق 80 مليار دولار سنوياً على الإصلاحيات لديها، أو ما يعادل 35 ألف دولار لكل نزيل بهذه المؤسسات، ولا يشمل هذا الرقم ما يقرب من 98 مليار دولار نتيجة فقدان الإنتاجية من جانب السجناء في أميركا، الذين يصل عددهم إلى 3.2 ملايين سجين.
تسعى الولايات المتحدة إلى تبني سياسات تعالج العنف في المقام الأول، وليس الحيلولة دون وقوعه.فهي تقوم بذلك على الرغم من الحقيقة التي تكشفت لنا من خلال مؤشر السلام في الولايات المتحدة، الذي تعده المجموعات نفسها القائمة على إعداد المؤشر العالمي، ومفاده أنه كلما حرصت كل ولاية أميركية على «تخريج طلابها، وتوفير التأمين لسكانها، وتوفير الخدمات الأساسية، والحد من وفيات الحمل والرضع، زاد انخفاض معدلات الجريمة والعنف، وأصبحت أقل انتشاراً وشيوعاً».