تشكّل ولادة دولة حدثاً بالغ الأهمية دائماً، علاوة على أهمية الحدث نفسه، عندما تمر دورة الولادة بحالة من القلق، وسط حوالي 40 عاماً من الحرب الأهلية التي أودت بحياة ما يقدر بنحو 5.2 ملايين شخص. فقد انفصلت مؤخراً، 10 ولايات في جنوب السودان عن جارتها الشمالية التي تهيمن عليها أغلبية مسلمة، لتصبح الدولة رقم 193 التي تعترف بها الأمم المتحدة.تأتي سيادة جنوب السودان في أعقاب الاستفتاء الذي جرى في يناير الماضي، والذي أقر رغبة جماعية تقريباً من أجل الاستقلال.
خرجت جمهورية جنوب السودان إلى حيز الوجود مع الدعم الصادق من مواطنيها، الذي يعززه تمتعها بموارد طبيعية من النفط والأخشاب والمعادن والأراضي الخصبة. وسوف تكون الدولة الجديدة بحاجة إلى الحماس الشعبي وسخاء الطبيعة، لتعزيز موقفها خلال فترة النشأة. وتعد جنوب السودان واحدة من أفقر الدول على وجه الأرض، في ظل انعدام شبكة الطرق المعبدة وإمدادات الكهرباء المتقطعة والصحة والمرافق التعليمية. ولا تزال العلاقات مع جمهورية السودان في الشمال متوترة، وخاصة بشأن المنطقة الغنية بالنفط المتنازع عليها في أبيي، حيث من المقرر نشر قوات إثيوبية لحفظ السلام هناك. وهناك مشكلات سياسية داخلية لتحويل قوات المتمردين إلى قوة نظامية، ومنع الهيمنة القبلية من جانب قوات الدنكا، والتي ينتمي إليها الرئيس الجديد سيلفا كير.
وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا من بين الدول التي ساعدت على تحقيق اتفاق سلام في عام 2005 بين الخرطوم وجوبا، وهو ما أدى إلى استقلال الجنوب.بعد القيام بدور الوساطة، يتعين على العالم الخارجي مساعدة هذا الناشئ الجديد الآن، على أن يحبو أولى خطواته. والأمر المشجع أن تبدي الجارتان الجنوبيتان، كينيا وأوغندا، حرصهما على تطوير العلاقات الاقتصادية معه، علاوة على أن وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ، كان من بين الشخصيات الأجنبية التي حضرت احتفال إعلان الاستقلال. فهذه الدولة الناشئة يحدوها الأمل في أن يتم وضع حد للصراعات اللامتناهية في إفريقيا.
لكن انفصال جنوب السودان ليس سوى بداية للنهاية، ولا يزال المستقبل بالنسبة لجنوب السودان غير مستقر. فالعلاقات مع الجارة الشمالية تنطوي على صعوبة في الالتزام، والعلاقات الداخلية غير واعدة أيضاً. فقد استفادت الغالبية من قبيلة الدنكا من أذرع السلطة القائمة، سواء الحكومة أو الجيش، مما حرم خُمس السكان من القبائل الأخرى، من المناصب العليا ومن الاستفادة من الأموال المخصصة للتنمية.
هذا هو البلد الذي لا بد أن تكون له آفاق ذهبية، ويمكن أن يصبح مصدراً للوفرة من القمح واللحوم بالنسبة لجيرانه الأقل خصوبة، مثل إثيوبيا وكينيا المنكوبتين بالجفاف في الشرق. وفضلاً عن موارده الزراعية، هناك احتياطيات كبيرة من النفط والذهب والمعادن الأخرى، وهناك عدد محدود نسبياً من السكان، والعديد من خريجي الجامعات الذين ليس لتطلعاتهم حدود. لذا فإن السؤال المطروح على المجتمع الدولي، بعد دوره البنّاء في المساعدة على إنهاء الحرب، هو كيفية دعم التنمية التي تجعل من هذه الثروة نعمة وليست نقمة. أما الانتقال من حرب التحرير إلى قيام حكومة سلمية، فقد كان يعتبر تقليدياً في كثير من الأحيان، بمثابة الطريق إلى الجحيم.
يمكن للأصدقاء في البلد الجديد المساعدة في دعم الخطط الهادفة، التي تركز على المحافظة على الأمن في المناطق الريفية، من خلال بناء القدرات في العواصم الإقليمية، وتقديم الدعم التقني في مجال الزراعة. يعد الاستقلال حدثاً بارزاً، لكنه أيضاً عملية بطيئة ومحفوفة بالمخاطر.