لا يزال بعض البلدان العربية التي تعيش في ظل أنظمة استبدادية، تراقب عن كثب الصراع المحوري في مصر ما بعد الثورة، وهو الصراع الذي قد يحدد مستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يتمثل النضال في التساؤل عما إذا كان يتعين على المصريين، أولاً، ضمان الحقوق الأساسية والمبادئ الديمقراطية في الدستور، قبل إجراء الانتخابات، أم أن وجود برلمان جديد منتخب سوف يكون قادراً على ضمان هذه الحقوق والمبادئ، حتى وإن كان بعض الجماعات الإسلامية السياسية يعارض أشكال الحرية على النمط الغربي؟
وتأتي هذه القضية في وقت تقوم فيه 36 مجموعة تطالب بالدستور أولاً قبل وضع خطة لإجراء الانتخابات، باحتجاجات حاشدة في ميدان التحرير. ويجري حاليا الاستعداد لإجراء انتخابات برلمانية في سبتمبر، من دون تقديم ضمانات كافية لإجرائها بصورة نزيهة، ناهيك عن ضمان الحقوق الأساسية أو فرض القيود على سلطات الحكومة. وبعد ذلك سيقوم البرلمان المنتخب حديثاً، باختيار مجموعة تتألف من 100 شخص لوضع الدستور.
فالبلدان التي نالت حريتها حديثاً، والتي تدخل إلى الديمقراطية من نقطة الصفر، غالباً ما تواجه هذا النوع من معضلة "الدجاجة أم البيضة أولاً"، ولم تنجح جميعها في عملية الانتقال. فالثورة المصرية التي أطاحت الرئيس السابق حسني مبارك قبل خمسة أشهر، حددت بوضوح ما يريده الناس، وهو التخلص من حياة الخوف التي كانت سائدة في ظل النظام الفاسد، الذي لم يقدم ما يكفي للاقتصاد المصري.
ولكن مع تولي الجيش المصري المسؤولية عن الحكومة الانتقالية حالياً، لا يزال المصريون يفتقرون إلى توافق في الآراء بشأن نمط الديمقراطية الذي ينشدونه. ويتركز الكثير من الجدل العام، على مناورة السلطة بين الجماعات، مثل جماعة الإخوان والعلمانيين الليبراليين، وأولئك الذين تحالفوا مع مبارك من قبل.
لا يبدو أن المصريين يطرحون أسئلة جوهرية مثل: هل تكمن السيادة في شخصية الفرد أم الدولة أم ديانة بعينها؟ هل حقوق كل فرد شاملة ومتساوية؟ وكيف يمكن كبح سلطة الحكومة للحفاظ على الحريات الفردية؟
في الأسابيع الأخيرة، تقدم ما لا يقل عن ثلاث مجموعات بـ"وثيقة حقوق"، وأقرت مبادئ الدولة المدنية في المجتمع المصري، على أمل التوصل إلى توافق في الآراء قبل الانتخابات، بشأن ما ينبغي أن يكون عليه الشكل النهائي للدستور. وكان أهم هذه المجموعات الأزهر، وهو السلطة الدينية الأولى في مصر.
الجيش، الذي يبدو حريصاً على تسليم السلطة إلى المدنيين، أفسد محاولة التوصل إلى إقرار دستور في مارس الماضي، عندما أجرى استفتاءً على تغييرات في دستور عام 1971، الذي كان قد صيغ أساساً لخدمة المستبدين في الحكم.
وبعد انقضاء الاستفتاء، عمد الجيش إلى تغيير أو إضافة عدة بنود سراً، مما أدى إلى تشويه كل من الوثيقة الجديدة والاستفتاء. مثل هذه الممارسة السياسية، هي المبرر لوضع دستور يضمن حقوق المواطنة والقيود المفروضة على السلطة، قبل أن يتم انتخاب أي شخص. وإلا فإن هؤلاء المنتخبين يمكنهم بسهولة إساءة استخدام النظام من أجل البقاء في السلطة، وفرض قيود على الحريات. ولماذا يتم انتخاب شخص ما إذا كان الأمر سيتطلب إجراء انتخابات أخرى بموجب دستور جديد؟
الجماعة التي يبدو أنها ستستلم مقاليد السلطة عن طريق الانتخاب ثم تغيير الدستور للبقاء، هي جماعة الإخوان المسلمين، أكثر الجماعات تنظيماً في مصر، ويقدر عدد أعضائها بنحو 600 ألف عضو، ويعارض قادتها كتابة الدستور أولاً، ويدعمون بشدة فرض مبادئ الشريعة الإسلامية، إن لم يكن ممارستها، في القانون المصري.