قرر المدعي العام جون دورهام، المكلف بالتحقيق في استخدام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للتعذيب، عدم التوصية بإجراء مزيد من التحقيق حول عمليات استجواب ما لا يقل عن مئة من المعتقلين على مدى العقد الماضي. ويضمن هذا الحكم أنه لن يكون هناك بيان كامل حول طريقة وتوقيت «تقنيات الاستجواب»، والأطراف التي قامت بذلك من أجل انتزاع المعلومات. وتعد هذه خسارة لأميركا.
لقد قدم دورهام المشورة لوزارة العدل الأميركية، بمواصلة التحقيق في قضيتي المعتقلين اللذين توفيا في السجن. لكن النتيجة البارزة للتحقيق الذي أجراه على مدار عامين، هو تبرئة المحققين في جميع الحالات الأخرى.
وقررت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، عدم مباشرة دورهام التحقيق في الحالات التي تصرف خلالها المحققون بحسن نية، وضمن نطاق التوجيهات القانونية التي قدمها مكتب المستشار القانوني بشأن استجواب المعتقلين. وبعبارة أخرى؛ اتخذت الإدارة قرارها قبل بدء التحقيق، بعدم ملاحقة موظفي «سي آي إيه» الذين تصرفوا في إطار المبادئ الإرشادية. ربما كان ذلك قراراً صائباً من الناحية القانونية، وكان بالتأكيد الأكثر براغماتية. فمن الصعب تصور هيئة محلفين تدين عميلاً لوكالة الاستخبارات المركزية كان يلتزم بالرأي القانوني.
ولكن إذا لم يلاحق المدعي العام موظفي الوكالة فعلياً وهم الذين كانوا ينفذون الأوامر، إذن ألا ينبغي عليهم التركيز على المحامين الذين أصدروا تلك الآراء غير الأخلاقية وغير القانونية؟ للأسف، فقد برأت وزارة العدل بالفعل الأشخاص من مكتب المستشار القانوني، الذين صاغوا ما يسمى بمذكرات التعذيب لسوء السلوك المهني.
ويبدو أنه من غير المرجح توجيه اتهامات جنائية. وماذا عن الساسة الذين التمسوا هذه النصيحة من المحامين؟ بالطبع لم يحاكم أي منهم أو يتم التحقيق معه. إذاً، ففي نهاية المطاف لن يتم توجيه اتهام لأي أحد، عن أعمال وحشية مارستها الحكومة.
وهذا يعد مصدر عار لبلد يتمسك بقيم الأصول القانونية والمعاملة الإنسانية للأسرى. ولكن ينبغي أن نواصل النظر إلى الوراء، للحيلولة دون وقوع مثل هذه الاعتداءات مرة أخرى. نتائج التحقيقات التي قام بها دورهام لا تعفي الأميركيين من تلك المسؤولية.
وضعت المحكمة العليا المسمار الأخير في النعش، من خلال قرارها في قضية حمدان في مقابل رامسفيلد، في عام 2006. لم يكن الاستيراد الحقيقي للحكم في هذه القضية، أن الكونغرس كان يتعين عليه منح تفويض ببعثات عسكرية (سرعان ما فعل ذلك)، ولكن اتفاقيات جنيف تنطبق على النزاع المسلح مع القاعدة. وقد أصدر الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، أمراً تنفيذياً في السنة التالية يحظر معظم أساليب الاستجواب المعززة. واتبع أوباما النهج نفسه، من خلال قراره بتطبيق معايير عسكرية أكثر صرامة لمجتمع الاستخبارات.
ربما لن نعرف القيمة الحقيقية للأساليب القسرية، وبالتأكيد جاء بعض المعلومات الدقيقة نتيجة استخدام هذه الأساليب. فقد تم استجواب بعض المعتقلين بهذه التقنيات بشكل تام، لذا لم يكن هناك أي «سيطرة» على سبيل المقارنة، فلا توجد طريقة لمعرفة ما حصلنا عليه دون إساءة معاملة المعتقلين.
والطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها إجراء تقييم عقلاني للتكاليف والفوائد المترتبة على أساليب الاستجواب المعزز، هي رفع السرية الكاملة عن جميع محاضر الاستجواب، بما في ذلك النتائج التي أفضت إليها وسائل الاستجواب القسرية. فلو أن عدداً كبيراً من هذه النتائج وصل إلى طريق مسدود، فربما كان ذلك ناتجاً عن رغبة المعتقل لإنهاء معاناته بشكل مؤقت، وهو من شأنه أن يرسم صورة قاتمة حول استخدامها. من الواضح أن مخاطر رفع السرية، تفوق فوائد تسوية الجدل حول أسلوب التعذيب بواسطة الإيهام بالغرق.