بخطابه البليغ مؤخراً، اقترب الرئيس الأميركي باراك أوباما من حد القول بإنهاء عصر الحرب. فقد استقطب خطاب الرئيس بشأن أفغانستان الاهتمام، لكن ليس بقدر ما ينبغي أن يكون، نظرا لتوقيته من المنظور التاريخي.

منذ عشرين عاماً، انهارت الشيوعية بالانقلاب الفاشل في روسيا، وإسدال الستار على هيمنة الشيوعيين على الكريملن في ديسمبر من عام 1991. فقد كان ذلك بشيراً بإعلان "نهاية التاريخ"، وبداية هيمنة قوة عظمى واحدة، وهي الأيديولوجية التي تعززها القيم، ومن خلال القوة العسكرية أيضاً.

فقد كان توني بلير هو من حث بيل كلينتون على التدخل في كوسوفو. وشاهد العالم مذبحة سربرينيتشا، وغيرها من عمليات القتل في يوغسلافيا السابقة، بل غض الطرف، أيضا، عن عمليات الإبادة الجماعية في رواندا.

لقد ولدت فلسفة جديدة وصناعة جديدة، تمثلت في التدخل الليبرالي القائم على فكرة أن المجتمع الدولي كان منوطاً به واجب التدخل في الدفاع عن حقوق الإنسان، بغض النظر عن سيادة الدولة. وتقدمت هذه الفكرة خطوة إلى الأمام، من خلال فكرة بلير وجورج بوش، القائلة إن الديمقراطية يمكن "تعزيزها" من خلال القوة.

دمار العراق فكرة نبيلة، فالعديد ممن دافعوا عن التدخل في البلقان، وحتى في أفغانستان، رغم أن الأميركيين والبريطانيين لم يعرفوا أيا من أهدافهم في الحربين أكثر أهمية، كانوا يرون انهيار مصداقية التدخل في عام 2003، فلا يزال يصعب فهم النطاق الهائل لهذه الحماقة. وقد كشفت لجنة "تشيلكوت" عن المزيد من انتهاكات استخدام القوة والخداع.

جاء رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى السلطة، قاطعاً على نفسه وعداً بعدم تكرار حماسة بلير. الديمقراطية، حسبما اشتهر عنه هذا القول، لا يمكن فرضها من خلال إرسال 10 آلاف جندي إلى الحرب. وفي غضون أشهر من توليه منصبه، بدا أن رئيس الوزراء الجديد نسي شعاره عندما بدأ، جنبا إلى جنب مع الرئيس الفرنسي ساركوزي، القصف الجوي على ليبيا.

على الأقل لم تكن العملية يشوبها التعجرف، فقد تمت مناقشة المسألة الليبية بشكل صحيح في البرلمان ومجلس الوزراء، وكان تصديق مجلس الأمن على العملية مضموناً، ولم يكن مجرد تصور. لكن في مجالات أخرى سقط كاميرون في الفخ نفسه، فلم تكن هناك أهداف متماسكة ولا تحليل لنقطة النهاية، ودون أدنى فكرة عن التكاليف الناجمة عنها.

ولو لم يكن كاميرون والفرنسيون فعلوا شيئا، لكان العالم شاهد مذبحة في بنغازي وإعدام من تبقى من الثوار، إلا أن عشوائية الاستجابة تعكس شعوراً بالضيق أكثر عمقاً، مع أنه ليس هناك أي نهج مشترك لمتابعة مسائل تتعلق بحقوق الإنسان.

تتطلب المقاومة العنيدة من جانب الصين وروسيا وغيرهما، قدرا من التفكير البارع، لكن ذلك لا يشكل مبرراً للجمود. فالدفاع عن نشطاء حقوق الإنسان في كلا البلدين، بات أمراً أكثر صعوبة الآن مما كان عليه في أي وقت مضى، ولا يمثل الإفراج عن الناشطين الصينيين آي وياي بكفالة وهيو جيا بعد أن قضى مدته في السجن، أي تخفيف في سجل الصين المروع في مجال حقوق الإنسان، بل هو مجرد ثقة متزايدة بالنفس وبأن نظام العدالة الجنائية لديها آمن.

قررنا أن ننتظر لنراقب الوضع، وربما لا يكون هذا شيئا سيئا، فالتأكيد على مسألة حقوق الإنسان والعدالة أمر متروك للقوات على الأرض، والتونسيون والمصريون فعلوا ذلك دون الحاجة إلينا. فعملية دمج مجتمعات أكثر انفتاحا وسياسة أكثر عدلا، سوف تكون عملية فوضوية في هذين البلدين وغيرهما.