يتضح مع الوقت أن مصرع أسامة بن لادن، كان الجزء الأسهل من مجمل تبعات الغارة على المجمع الباكستاني لقائد القاعدة في 2 مايو الماضي، حيث أثبتت التداعيات السياسية لهذا الحدث أنها أكثر تعقيداً، والكونغرس لا يساعد على حلحلة هذه المسألة.
وغني عن البيان أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قام باتخاذ قراره بعدم إبلاغ القادة الباكستانيين بخصوص الغارة عن سابق تصميم، وهذا ربما يشكل الخطوة الصحيحة من وجهة نظر الموقف العسكري، إلا أنه بدا استفزازياً للغاية على الصعيد الدبلوماسي. ومع توتر العلاقات بشكل خطير جراء الإصابات بين المدنيين التي يسببها قصف الطائرات الأميركية الموجهة عن بعد، ومقتل باكستانيين اثنين على أيدي أفراد تابعين لوكالة الاستخبارات المركزية في يناير الماضي، فإن الغارة، في نظر الباكستانيين، شكلت انتهاكاً مذلًا للسيادة الوطنية، ونتيجة لذلك بات قادة البلاد أمام ضغوط هائلة لتأكيد استقلالهم عن "حليف" تعتبره أغلبية السكان عدوًا.
وفي هذا السياق، لا يشكل رد فعل إسلام أباد موقفاً مفاجئاً، فقد طالب المسؤولون الباكستانيون بتخفيض الوجود العسكري الأميركي، وهذا ما حصل. وطالبوا أيضاً بوقف هجمات طائرات الاستطلاع الموجهة عن بعد، وهذا ما لم يحصل، فتم منع المسؤولين العسكريين ورجال المخابرات الأميركيين من الحصول على تأشيرات دخول. وفي تصعيد لرد الفعل لم نشهده في السابق، تم اعتقال عدد من المرشدين الباكستانيين المرتبطين مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، والمتورطين في مقتل ابن لادن، حسبما تقول التقارير.
والأميركيون، في هذه الأثناء، غاضبون من الإهانات الصادرة عن دولة تبين أنها استلمت 4.5 مليارات من المساعدات الأميركية السنة الماضية. ويتساءل سياسيون بارزون من الحزبين، بما في ذلك المرشح للرئاسة من الحزب الجمهوري، نيوت غينغريتش، والجمهوري رون بوا (عن تكساس) والسيناتور الديمقراطي ديان فينستن (من كاليفورنيا) والسيناتور باتريك ليهي (الديمقراطي من فيرمونت)، عن وجوب استمرار المساعدات.
وقد تحولت الأقوال إلى أفعال، مؤخراً، عندما قامت لجنة المخصصات في مجلس النواب بالموافقة على مشروع قانون الإنفاق الدفاعي، والذي يخول الكونغرس الاحتفاظ بنسبة 75% من حزمة مساعدات إلى باكستان بقيمة 1.1 مليار دولار، وهذا البند يستحق عن جدارة أن يزال عن قائمة المراجعة النهائية. وفيما تحاول إدارة أوباما الحفاظ على علاقات حيوية بين أميركا وباكستان، فإن التدخل من قبل الكونغرس يضر أكثر مما ينفع.
إن ردود فعل باكستان تجاه الغارة على مجمع ابن لادن، وعلى الرغم من كونها تثير القلق وتنبئ بنتائج عكسية، إلا أنها ما زالت غير ضارة نسبياً. ويبدو من الصعوبة التصديق بأن ابن لادن كان بإمكانه الاختباء على مرأى من الجميع في أبوت أباد، من دون أي تواطؤ من العسكريين الباكستانيين أو جهاز المخابرات الباكستاني، لكن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، يقول إنه لا يوجد إثبات يشير إلى أن القادة الكبار في البلاد كانوا على علم بوجوده.
وإلى أن يثبت العكس، فلا جدوى من زيادة تعريض العلاقة الحيوية استراتيجياً للبلدين، للخطر في حربهما ضد المتشددين. اليوم هو زمن الدبلوماسيين للعمل بصمت وراء الكواليس، في سبيل تهدئة الأجواء المشحونة، وليس زمن السياسيين لتأجيج المشاعر وصب الزيت على النار.