في الأشهر الـ18 المقبلة، سوف تسمعون مقترحات وجيهة وردود فعل صارخة وتوقعات بكارثة أو فردوس. وستكون هناك زلات لسان ولدغات وشهادات وتقارير مبهرة، تشير إلى تحولات في الرأي العام. وسيتم إنفاق مئات الملايين من الدولارات، لجذب وحشد ما يكفي من الأصوات للفوز بوظيفة تقدم راتباً قدره 400 ألف دولار سنوياً، وهو ليس راتباً ضعيفاً، لكنه تغيير بالنسبة لمحامٍ ذكي أو مصرفي استثماري.

تنطوي الوظيفة على امتيازات طيبة، بالتأكيد (الطائرة الرئاسية، ومنتجع كامب ديفيد، وفصيلة من الطهاة في البيت الأبيض)، لكن مقدار الخصوصية فيها محدود، ونقد لا يمكن تصوره، وما يترتب على ذلك من حاجة للحماية على يد المخابرات طول العمر. فمن الذي يريد التصعيد؟ لقد وصف جون آدامز الوظيفة بالقول: إنها أكثر أربع سنوات بؤساً في حياتي. وبنبرة أقل حدة، وصفها توماس جيفرسون بأنها بؤس رائع.

إن صياغة التشريعات الهامة وإدارة غرفة العمليات، وعقد معاهدات السلام، تعتبر حقا أعمالاً هامة تتطلب ذكاء واتزاناً وحنكة. فليبارك الله في الشخص الذي يقوم بذلك. قد تنطوي هذه الوظيفة على قدر من الأنانية، ربما الكثير. لكن لا أحد يشغلها من أجل المال، بل سعياً إلى القيادة، وإلى التفكير بذكاء، من أجل حل المشكلات وحماية القيم. فالصحافيون السياسيون، أمثال ليندا فيلدمان من صحيفة كريستيان ساينس مونيتور، لهم باع في هذا المجال، فسوف تكون هذه الحملة الانتخابية الخامسة التي تغطيها. وهذا يعني ركوب الحافلات لفترة طويلة، وجولات لا نهاية لها وسط التجمعات، وخطباً واجتماعات جماهيرية، وهي على دراية بفرق الحقيقة، والإعلانات الانتقادية، والحد من الأضرار. ربما تعتقدون أنها ساخرة، ولكن هذا اعتقاد خاطئ. تقول فيلدمان: بقدر ما يبدو أن أميركا كأمة أصبحت مرهقة، فإن الحقيقة التي قوامها أن الناس يرغبون في المضي إليها، والاستماع إلى هؤلاء المرشحين، بشكل شخصي، حتى المرشحون الذين يحتمل أن يفوزوا، توحي إلي بأننا لم نفقد الأمل تماماً.

لقد تغير العالم بشكل كبير في السنوات الخمس عشرة الماضية، منذ أن كانت فيلدمان تغطي هذه الحملات. فقد ولّت فترات الرواج، واتدلعت حروب وانتهت. لقد شهدت تاريخاً استثنائياً: انتخابات قضت بشرعيتها المحكمة العليا، وانتصار لأول رئيس أميركي من أصل إفريقي، وتحولات مذهلة في القوى داخل الكونغرس. إلا أنها تقول: بطريقة جوهرية، الناخبون هم أنفسهم.. فلا يوجد شيء مثل مصافحة المرشح، والنظر إليه وجهاً لوجه، وتلمس ما يفكر فيه.

وتضيف: لعل أكثر الحملات الانتخابية التي أثلجت صدري كانت في عام 1996، فقد كانت مهمتي ركوب القطارات في جميع أنحاء أميركا، والاستماع إلى قطاع عريض من الأميركيين بشأن وطنهم. لا يمكنك القيام بذلك في رحلة بالسيارة، ولا الاحتكاك بهم على متن طائرة. خلال رحلة طويلة بالقطار، يستقله الناس ويترجلون منه ويجلسون لبعض الوقت، وبعضهم رحّالة. وبالقرب من المدن الكبرى، العديد من الركاب مسافرون بشكل يومي. فقد تحدثت مع مصارع ثيران وممرضة متقاعدة وموظف في شركة جنرال موتورز وعشرات آخرين. الجميع كانوا أكثر استرخاء وانتباهاً من الأشخاص الذين قد يقابلهم الصحافي في الشارع بالصدفة. رحلة القطار من بوسطن إلى شيكاغو وجنوب نيو أورليانز إلى لوس أنجلوس، قطعت مسافات عبر أميركا القديمة، وهي مناطق تضم أفنية خلفية للمنازل، حيث ترفرف الفساتين على حبال الغسيل، والبلدات الصغيرة التي يعرفها هورتون فوت.