كما هي الحال غالباً في الحرب في أفغانستان، يمكن أن يكون بيان واحد مفتوحاً على تأويلات مختلفة إلى حد كبير. ومن هذا المنطلق فإن كشف الرئيس الأفغاني حامد قرضاي عن مشاركة الولايات المتحدة في المحادثات مع طالبان، تم انتقاده من قبل البعض كونه امتداداً للنهج القديم نفسه. بالنسبة لآخرين، لم يكن هذا التصريح أكثر من إعادة صياغة لأمر جلي. إلا أن هناك شيئاً جديداً هنا، فالمسألة لا تتعلق بواقع الاتصال بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، فهي ملحمة غير مستقرة دامت لوقت طويل، وإنما تتعلق بحقيقة أن تأكيد إجراء المحادثات جاء من قرضاي، الذي طالما كان فاتراً إن لم يكن عدائياً إزاء الفكرة نفسها.

وتضمنت تصريحات الرئيس الأفغاني للصحافيين مؤخراً في كابول، عدة عناصر أخرى جديدة. فلم يقتصر اعترافه على أن المحادثات كانت جارية فحسب، لكنه وصفها بأنها "محادثات سلام"، وتحدث بإيجابية عن التقدم الذي تم إحرازه، وقال إن الجيش الأميركي شارك في المحادثات أيضاً. كانت هناك لهجة جديدة، فضلاً عن معلومات جديدة.

فقد لاقت مسألة إمكانية إبرام أي اتفاق للسلام في أفغانستان، ما لم تتم مشاركة طالبان في أي تسوية، قبولاً على نطاق واسع لبعض الوقت. ففي عام 2007، تم طرد دبلوماسيين اثنين بريطاني وإيرلندي، كانا يعملان للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على التوالي، بعد اتصالهما الاستفساري على ما يبدو مع ممثلين لحركة طالبان، ربما على نحو أكثر نجاحاً مما كان يفترض بهما. وقيل إن الدافع لطردهما جاء من المخابرات الأميركية، لكنه يمكن أن يكون جاء أيضاً من جانب قرضاي.

بعدما جاء الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى سدة الحكم في البيت الأبيض عام 2009، شدد مستشاره في أفغانستان وباكستان "ريتشارد هولبروك"، مراراً على الحاجة إلى إشراك حركة طالبان، واقترح التمييز بين الأكثرية من "المعتدلين" الذين يتعين كسب ودهم، والأقلية من المتشددين الذين ينبغي عدم العفو عنهم. فقد أصبح ذلك سياسة رسمية أميركية، لكن لا يبدو أنها تحظى بالدعم الكامل من قادة الجيش الأميركي، الذين أبدوا انطباعاً بالاستمرار في السعي لتحقيق نصر صريح أو عدم تحقيق أي شيء. وبالتالي فإن العقد التي تسير في إطارها السياسة الأميركية الأفغانية، بدت متشابكة على نحو متزايد.

اغتيال أسامة بن لادن، الذي كان قد تم تعقبه إلى مجمع يضم عائلته في باكستان، كان من شأنه تغيير الكثير من الحسابات. فقد عمل على تعزيز سلطة أوباما داخل أميركا، لأنه بذلك حقق ما سعى سلفه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى تحقيقه جاهداً. فقد أتاحت عملية الاغتيال للولايات المتحدة، رسم صورة أكثر تمييزاً بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان، وهو التمييز الذي جعل المحادثات مع طالبان أكثر احتمالاً، ومهدت الطريق للمرشح لتولي وزارة الدفاع الأميركية البراغماتي "ليون بانيتا" لوضع السياسة الأفغانية على أساس جديد.

وقبل كل شيء، وبالنظر إلى أن ابن لادن عثر عليه مختبئاً في باكستان، فإن ذلك وضع محل التساؤل منطق بقاء القوات الأجنبية مدة أطول في أفغانستان. وزاد من الضغط على أوباما للمضي وفق الجدول الزمني المؤقت لسحب القوات، إن لم يكن عاملاً لتسريع الانسحاب. ووجه ذلك بدوره رسالة إلى قرضاي وحكومته الفاشلة، مفادها أن الولايات المتحدة ربما لا تدعم موقفه لأجل غير مسمى.