في الشهور التي انقضت منذ تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن منصبه، قدم أعضاء المجلس العسكري الأعلى، الذي تولى سلطاته، إشارات دالة على تغير السياسة الخارجية المصرية، وذلك من خلال الترحيب بالدبلوماسيين الإيرانيين، ومد الجسور نحو حركة حماس الفلسطينية.
وقد فسر الكثيرون مثل هذه التحركات، على أنها دليل واضح على رغبة مصر في دبلوماسية لا تخضع للمصالح الأميركية. لكن مبارك لم يتطابق قط مع الصورة التي رسمها له منتقدوه كأحد أتباع أميركا.
. وفي حقيقة الأمر فإن مبارك كان بحاجة إلى أن تكون له علاقات طيبة مع دول مجلس التعاون في المقام الأول، وليس مع أميركا.
وعلى الرغم من أنه في بعض الأحيان دعم السياسات الأميركية، إلا أنه رفض المواقف الأميركية عندما لم تتطابق مع مواقفه. ومنذ نهاية حرب أكتوبر 1973 كان السلام العربي الإسرائيلي حجر الزاوية في أجندة أميركا في الشرق الأوسط، وغالبا ما تطلعت أميركا إلى مصر، وهي الدولة الأكثر تأثيرا وأهمية في العالم العربي، للقيام بدور رائد في المضي قدما بهذا الهدف.
وكانت لمبارك علاقة شائكة مع إسرائيل، حيث حرص على أن يبقي أقرب حلفاء أميركا في الشرق الأوسط على مبعدة منه، على امتداد فترة رئاسته.
. وخلال 10 سنوات من السنوات الثلاثين التي أمضاها في الرئاسة، لم يكن لمصر سفير في تل أبيب، ولم يقم مبارك قط بزيارة رسمية إلى إسرائيل، وغالبا ما رفض طلبات رؤساء وزراء إسرائيل القدوم إلى القاهرة.
في المقابل، فإن علاقات مصر بالدول الخليجية غالبا ما حسمت سياسة مبارك الخارجية، وعندما غزا العراق الكويت في عام 1990، بعث مبارك قوات مصرية للمشاركة مع القوات الحليفة التي قامت بتحرير الكويت.
وعلى الرغم من أن معارضة مبارك لغزو العراق للكويت تصادف أنها توافقت مع السياسة الأميركية، فإنه لم يكن على استعداد لتأييد الحملات الأميركية ضد القادة العرب.
. فعندما طلب جون بويندكستر نائب مستشارالرئيس الأميركي رونالد ريغان لشؤون الأمن القومي، من مبارك شن هجوم أميركي مصري مشترك ضد ليبيا في عام 1985، رفض مبارك ذلك وسخر من زائره قائلا: "انظر يا أدميرال، عندما نقرر مهاجمة ليبيا فسيكون ذلك قرارنا ووفق برنامجنا الزمني".
ورفض مبارك مجددا الإذعان للخطط الأميركية بعزل ليبيا في التسعينات، واستقبل الرئيس الليبي معمر القذافي في القاهرة، وبعد أن فرضت الأمم المتحدة حظرا دوليا على رحلات الطيران الليبي في عام 1992، برهنت المعابر البرية بين مصر وليبيا على أهمية حاسمة بالنسبة للاقتصاد الليبي، وربما لبقاء القذافي سياسيا.
لقد ورث قادة مصر الجدد ورطة مبارك في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، أي كيفية تحقيق التوافق بين طموحات مصر وقيادة العالم العربي، دون إغضاب دول عربية أخرى لا تفتقر إلى الطموح. ولهذا السبب على وجه الدقة، فإن كثيرا من المراقبين الدوليين يعتقدون أن التقارب المصري - الإيراني، سيتيح فرصا لالتقاط الصور أكثر مما سيعطي نتائج ملموسة.
مع دخول مصر مرحلة جديدة من مسيرتها، فإن التغيرات الكبرى في السياسة الخارجية التي توقعها المحللون، ستبرهن على أنها أقرب إلى توابع الزلزال المحدودة، فالمصالح العربية ستظل تواصل تأثيرها الكبير على سياسة مصر الخارجية، وهذا في المقام الأول يعني الحفاظ على الوضع القائم.