منذ بداية الثورة الشعبية في اليمن، في فبراير الماضي، كان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قد وضع موضع التطبيق قدرته على «الرقص على رؤوس الأفاعي»، على نحو ما يشير عنوان كتاب شهير. على الجبهة الداخلية، عرض أولاً على المحتجين عدداً من التنازلات،.

ولكنه بعد ذلك سحب هذه التنازلات مرة أخرى. ثم أمر بتطبيق إجراءات قمعية بوليسية وعسكرية، فضلاً عن استغلال الانقسامات العميقة الموجودة في المجتمع اليمني. بالنسبة للرأي العام الإقليمي والدولي، لوّح بورقتي إنذار لديه: هما تنظيم القاعدة، والحرب الأهلية.

وبحكم تمتع اليمن بموقع استراتيجي عند تقاطع البحر الأحمر والمحيط الهندي، وكونه ينظر إليه على أنه موطن لتنظيم القاعدة الأكثر خطراً، فإنه يحظى في الواقع بأهمية حيوية بالنسبة للأمن الإقليمي والدولي. وعلى الرغم من هذه الأهمية، يتسم اليمن بأنه البلد الأكثر هشاشة والأقل نمواً، والكيان السياسي الأكثر «افتقارا للأمن الغذائي» في منطقة الشرق الأوسط.

. لكن رغم هذا، فعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية، أظهر صالح أنه واحد من الزعماء العرب الأكثر موهبة، من حيث المناورة والبقاء في السلطة. فبعد أربعة أشهر من الدعوات الأولى التي وجهت له بالرحيل، ما زال يواصل التشبث بموقفه.

تم إبلاغ السفراء المعتمدين لدى صنعاء مؤخراً، بأن الرئيس صالح قرر في النهاية عدم توقيع اتفاق مع المعارضة. وتعتبر هذه هي المرة الثالثة التي غيّر صالح رأيه في اللحظة الأخيرة، ما أثار الإحباط لدى الوسطاء الإقليميين والدوليين، الذين كانوا يفاوضون من أجل خروجه السياسي على مدى عدة أسابيع.

تكشف لنا لمحة من ثورة اليمن، إلى أي مدى تعد مثالاً فريداً من نوعه في الحقل السياسي، بين الثورات العربية. فبينما انطلقت شرارة الثورة التونسية من إحدى القرى، وانطلقت في مصر من العاصمة، فقد انطلقت الانتفاضة اليمنية الاجتماعية من كل مكان. ورغم ذلك، فإنه ليس من قبيل الصدفة أن تنطلق ثورة اليمن الشعبية من مواقع جغرافية عديدة.

تبنى صالح نهج «الإدارة من خلال الصراعات»، باعتباره احد أدواته الأساسية للحكم. ونتيجة لذلك، وعشية الثورة، فإن خريطة اليمن تشوهت تماما في ظل الصراعات العميقة العنيفة التي لم تحل، حيث انقسم اليمن بين التمرد الشمالي والحركة الانفصالية الجنوبية والمتشددين المسلحين، والنزاعات الدموية بين القبائل.

. وقد أوجدت هذه الصراعات كلها، منطقتها الجغرافية الخاصة بها من مظالم سياسية واقتصادية وأمنية، وأوجد كل منها مجاله الخاص من الضحايا والمستفيدين. فالثورة اليمنية هي دمج جغرافي لكل هذا.

وعلى عكس البلدان العربية الأخرى، التي ازدهرت فيها الاحتجاجات الشعبية، فاليمن في عهد صالح ليس دولة بوليسية ولا دكتاتورية عسكرية، وإنما تم حكمه من قبل هيكل معقد ومتداخل وتنافسي، من الشبكات العائلية والقبلية والعشائرية، التي تنعكس باستمرار في الأجهزة الأمنية وفي الجيش.

لا يمكن أن يستمر صالح في التشبث بوضعه إلى الأبد، وسوف يجد أنه من الصعوبة على نحو متزايد التفاوض على شروط رحيله. لكن في حين أن خروجه من الساحة السياسية سوف يكون نصراً رمزياً للشعب، فإن إحلال زعيم آخر محله لن ينقذ البلاد من انقساماتها. يعد اليمن بلداً مفككاً على نحو بالغ، نتيجة صراعه الداخلي.

. وأمامه طريق طويل للتخلص من تركة رهيبة من الحالة الهشة للدولة، والعنف وعدم الاستقرار. أما تونس ومصر في الوقت الراهن، فهما بحاجة ماسة إلى إعادة تحديد العلاقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين. وتحتاج ليبيا لبناء المجتمع المدني، أما اليمن فيحتاج إلى بناء دولة.