أعاد التقدم التكنولوجي تشكيل حياتنا بعمق إلى الحد الذي بتنا نتوقع معه أن تكون للأفعال تأثيرات فورية وللقرارات نتائج سريعة. ولذا فإنه بعد أن طالت حملة «ناتو» على ليبيا جرى النظر إليها على نحو متزايد باعتبارها فاشلة. وباتت الفكرة القائلة إن الأوضاع قد أصبحت أمام طريق مسدود، أو ما هو أسوأ، ورطة حقيقية يفترض تقبلها. وبتركيز اهتمامنا في الأطر الزمنية الاقصر، قمنا بغض النظر عما يجري في ليبيا من انتقال للسلطة بثبات، ومع كل يوم يمر، فإن النظام الليبي يزداد ضعفا، فيما الانتفاضة تزداد قوة. إن معقل الثوار في شرق ليبيا آمن عسكريا، ومستقبله مضمون طالما استطاع توليد أو استقبال تمويل كاف، وهذا بالكاد يشكل مشكلة إذا ما اخذنا بالإعتبار سيطرته على بعض حقول النفط وإمكانية النفاذ الى البحر ووجود حكومات اجنبية متعاطفة إلى جانبه.

لكن البعض يقول إنه حتى لو كان شرق ليبيا آمنا، فإن سيطرة القذافي في غرب ليبيا تبقى دون مساس، وبالتالي إن أفضل ما نرجوه هو نوع من التقسيم إلى منطقتين منفصلتين. لكن هذه الفكرة، أيضا، هي بازدياد غير قابلة للاستمرار. فإذا كان نظام القذافي اعتقد أن بإمكانه السيطرة على باقي ليبيا، فإن هذا الأمل قد تبخر مع انقاذ مصراته. ومع التحسن في تدريب الثوار وتنظيمهم، ومضي «ناتو» في المعارك، فإن قوات القذافي لن تكون قادرة على استعادة المبادرة أو الكفاح لاستعادة أراض مفقودة أو قمع اندلاع انتفاضة جديدة. وفي ما يتعلق بدور «ناتو»، فإن دقة هجماتها تميل إلى إخفاء المدى الذي أضعفت به قدرات النظام، وهذا ما أظهره أداء جنوده على الجبهة الشرقية ومن ثم في مصراته، حيث بدت قدراتهم على القيام بهجوم طويل الأجل ضعيفة. كذلك تم تجاهل أثر الهزائم المتكررة والزيادة في اعداد المصابين والخسائر في المعدات على معنويات جنود النظام والمرتزقة الاجانب.

وبالنسبة لجنود القذافي، فإن هذا ليس جموداً على الإطلاق، وإنما هو صراع أحادي الجانب ضد عدو لا قدرة لهم على مواجهته. وتوضح الهجمات المدمرة ضد السفن الحربية للقذافي والغارات الجوية المشتركة ضد أهداف في طرابلس نفسها هذا الأمر بشكل جلي. إن التدمير المتزايد لتلك العناصر الجوهرية في البنية التحتية للنظام قد يقوض اخلاص كبار الضباط التابعين للقذافي، كذلك ستكون هناك حدود لبقاء المرتزقة، الذين تربطهم فقط مصالح مالية بليبيا وكذلك لجنود القذافي الذين تنقصهم قيادة فعالة للاستمرار في القتال. ولجعل الأمور اسوأ للقذافي، فإن القتال سوف يتطور مع الزمن ليصبح أقل توازناً. ومع اعلان فرنسا وبريطانيا عن استعدادهما لاستخدام طائرات هيلوكوبتر هجومية في ليبيا، فإن عدم التوازن في القدرات العسكرية سوف يصبح حادا. إن طائرات الهليكوبتر من طراز «أباتشي أي إتش 64» التي يستخدمها الجيش البريطاني تتمتع بقدرات هائلة. وفيما استخدامها على ارتفاعات منخفضة يزيد من احتمال تعرض طاقمها التابع ل «ناتو» للسقوط، إلا أن قدرتهم على التحرك ليلا يخفض من هذه المخاطر.

إن الخطر الحقيقي، باختصار، ليس جموداً متطاولاً، بل انهيار مفاجئ للنظام، وفيما تستعر الحملة وتتآكل قدرات القذافي، فإن مدى الدعم الحقيقي له بين صفوف الشعب الليبي سوف ينكشف، فإذا تبين أنه سطحي، فإن النظام قد يواجه بنهاية سريعة. لذا من الضروري ليس فقط أن يحافظ «ناتو» على عزيمته، بل أن يكون التحالف مستعدا لانهيار مفاجئ لقوات النظام، وأن يضع الخطط والموارد في مكانها للتعامل مع آثار ذلك. إذا ما سمحنا لخيبة أملنا نتيجة لعدم حصول نتائج مباشرة أن تقنعنا بأن ليبيا هي في دائرة مأزق حتمي، فقد نجد أنفسنا وقد داهمتنا الأحداث، مع تبعات سلبية بالنسبة للشعب الليبي ولنا على السواء.