خلال الاضطرابات التي صاحبت الثورة الفرنسية، ظهر قول سائر مفاده: «كم كانت الجمهورية جميلة، في ظل النظام الملكي». كانت الثورة تستهدف تحقيق الحرية والمساواة والإخاء، وبدلاً من ذلك، أثارت إرهاب اليعاقبة اليميني وعقوداً من الحرب ثم طغيان نابليون. هناك تحدٍ مماثل الآن يواجه شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث تعاني الدول العربية من الاضطرابات الهائلة. وإذا تناولنا ذلك من الناحية التاريخية، فإن ما يحدث الآن لم يسبق له مثيل في العالم العربي. فلأول مرة تتم الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية العربية، ويتهدد المصير نفسه آخرين، من خلال المظاهرات التي دعت إلى الحرية والديمقراطية. في السابق، تم تغيير أنظمة عربية من خلال الانقلابات العسكرية وغيرها من أشكال العصيان المسلح، وليس من خلال ثورات شعبية.
وخلال موجة الديمقراطية الكبرى في عقد التسعينات من القرن الماضي، التي أسقطت الدكتاتوريات في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وإفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا، لم يحدث شيء مماثل كالذي تشهده الدول العربية حاليا. ومع ذلك، تشهد المنطقة انقطاعات في قصورها السياسي، فقد أصبح ميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية القاهرة، رمزاً للأمل و«سلطة الشعب». غير أنه في الوقت الذي يبدو أن معظم الأنظمة العربية عرضة للتهديد الآن، فقد تم حتى الآن خلع حاكمين عربيين مستبدين فقط.
سوف تكون التطورات في مصر حاسمة، ليس فقط لكونها أكبر دولة عربية، ولكن أيضاً لأن بعض الشروط المسبقة الضرورية، يبدو أن لها وجودا أقوى هناك من أي أماكن أخرى في المنطقة، غير أنه حتى في مصر، تعد التحديات هائلة. ومع الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة في سبتمبر المقبل، فإن هناك شكا كبيرا في ما إذا كانت جماعات المعارضة سيكون لديها الوقت والوسائل والخبرة لتنظيم أحزاب سياسية فعالة. في الوقت الراهن، يبدو أن الجيش وحده، الذي يحكم البلاد فعليا منذ عام 1952، وجماعة الإخوان المسلمين، التي لديها شبكات اجتماعية على أوسع نطاق، هما اللاعبان الجادان. هل سيكون الجيش مستعداً للتخلي عن النفوذ السياسي والاقتصادي الهائل الذي حشده على مدى عقود ماضية؟ يسمع المرء عن تسوية مؤقتة محتملة بين الجيش والجماعة. وقد عاد بعض النشطاء مجدداً إلى ميدان التحرير، للتظاهر ضد هذا التحالف المتناقض، والممكن مع ذلك.
وفي ليبيا، إذا سقط القذافي، فهل يمكن لمثل هذا البلد القبلي لدرجة كبيرة، أن يمتلك لبنات البناء اللازمة لديمقراطية تؤدي وظيفتها؟ ليست القضية، وهو ما نريد التأكيد عليه، متعلقة بالإسلام باعتباره كذلك، فقد كانت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا لفترة طويلة، أكبر عدو للديمقراطية والليبرالية، إلا أن الأحزاب الديمقراطية المسيحية تشكل اليوم أحد ركائز الديمقراطية الأوروبية. كيف يمكن أن يكون لكل هذا تأثير على عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين التي يبدو أنها متعثرة؟ ربما يكون من الصعب أن نعرف الآن، لكن التصعيد الأخير للعنف على امتداد حدود قطاع غزة مع إسرائيل، يوحي بأن الأحداث آخذة في التطور في اتجاه خطير.
أما إسرائيل، فقد أبدت في البداية رد فعل مشوشاً على الثورة العربية. ويذهب قادتها الآن إلى القول إنهم سيرحبون بالتغيرات الديمقراطية في المنطقة، كضامن للسلام والقيم المشتركة، رغم أنهم يبدون شكوكاً حيال ما إذا كانت هذه التطورات قد باتت وشيكة. ومهما يحدث في ليبيا، فسوف تكون له انعكاسات على امتداد المنطقة.
لقد كان الطريق إلى الديمقراطية دائما يتسم بالوعورة، والمثال واضح في الاضطرابات التي شهدتها أوروبا على مدى قرن من الزمان. ويحدونا الأمل في أن يكون هناك ضوء في نهاية النفق في أحداث الشرق الأوسط العربي، لكن النفق قد يكون طويلاً.