يلقي المنتقدون باللائمة على الرئيس الأميركي باراك أوباما لافتقاره إلى «مبدأ» متماسك، ومع ذلك يثبت أوباما أنه قارئ دقيق لكتاب «سامانثا باور» حول الإبادة الجماعية. في الوقت الذي يهدد القتال في ليبيا بالتحول إلى حرب أهلية طويلة، فإن قرار الرئيس أوباما بالتدخل نيابة عن الثوّار في ليبيا، يتعرض للمزيد من الاستجواب. لقد أتاحت وفاة أسامة بن لادن في معركة تبادل إطلاق نار مع القوات الأميركية، المزيد من الوقت للرئيس، وكذلك الحال بالنسبة لدعوة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان للرئيس الليبي معمر القذافي «بالتنحي الفوري» عن منصبه كرئيس لليبيا. لكن ما لم يتغير في الأسابيع الأخيرة، هو الاتهام الذي وجهه المنتقدون للرئيس أوباما، حول ليبيا، بأنه ينتهج سياسة خارجية عقيمة، دون أن يأخذ في الاعتبار أي استراتيجية للخروج.

صدر أشد الانتقادات ضراوة من الليبراليين في السياسة الخارجية، وعلى رأسهم «زبيغنيو بريجنسكي»، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق «جيمي كارتر»، و«آن ماري سلوتر»، التي كانت تشغل في إدارة أوباما منصب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية. أما ما سيصير إليه تدخل أميركا في ليبيا، فهو أمر تتعذر معرفته في الوقت الراهن. لكن إذا أردنا أن نفهم التفكير الكامن تحت جذور قرار الرئيس أوباما، فإن هناك مصدراً واضحاً. إنه كتاب «مشكلة من الجحيم: أميركا وعصر الإبادة الجماعية» الحائز على جائزة بوليتزر، للكاتبة «سامانثا باور» المديرة الأقدم للشؤون متعددة الأطراف لمجلس الأمن القومي حالياً، والمستشارة المقربة من أوباما.

في صميم الدراسة الهائلة لـ«باور»، التي تقع في 610 صفحات، توجد حجة تاريخية مفصلة حول التدخل الإنساني في مواجهة المجزرة والإبادة الجماعية. نقطة البداية التي انطلقت منها «باور» في الدراسة، هي ما تعتبره فشل الولايات المتحدة في الحيلولة دون الإبادة الجماعية والمذابح، مرارا وتكرارا. وما يكمن وراء هذا التقاعس، بحسب تعبير «باور»، هو السياسة الداخلية. كما أن مسألة سلامة أميركا ليست في الحسبان بشكل صريح، حيث خلص معظم السياسيين إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالإبادة الجماعية، فإن خطايا الإغفال أقل اتساماً بالمخاطرة من التدخلات ذات التكلفة الباهظة.

تمضي «باور» في الدراسة مشيرة إلى أن الرد على هذا المأزق التاريخي، يكمن في الاعتراف بأن الإبادة الجماعية تشكل إهانة «للقيم التي تعتز بها أميركا أشد الاعتزاز ولمصالحها». فمن الأهمية بمكان بالنسبة لأميركا، أن تتعامل مع مسألة الإبادة الجماعية بروح من التعجل. عندما تضمن الديناميكية الواقعية ذلك، فإن الولايات المتحدة يجب أن «تجمد أصول الدولة التي ترتكب الجريمة، من خلال فرض عقوبات اقتصادية، في نهاية المطاف، وأن تكون على استعداد لاستخدام القوة الجوية، فضلا عن تعريض حياة الجنود للخطر».

ربما نرى إلى أي مدى استوعب الرئيس أوباما دروس التاريخ التي سردها كتاب «مشكلة من الجحيم»، وذلك من خلال التبرير الذي قدمه بخصوص التدخل في ليبيا، في خطابه في الثامن والعشرين من مارس الماضي، في جامعة الدفاع القومي في واشنطن. فقد أعلن أنه لو تأخرت أميركا يوماً واحداً في اتخاذ إجراء، لكانت بنغازي، تلك المدينة التي يقارب تعداد سكانها مدينة شارلوت الأميركية في ولاية نورث كارولاينا، قد شهدت مذبحة ترددت أصداؤها على امتداد منطقة الشرق الأوسط ولطخت الضمير العالمي.

قد يدفع الرئيس أوباما ثمناً باهظاَ في الانتخابات الرئاسية 2012 عن تدخله في ليبيا، ولكن الوقت ليس مبكراً للغاية. فلا يزال هناك وقت للقول إن المقامرة التي قام بها في ليبيا، تمت رغم العلم التام بالصعوبات التي تواجه الولايات المتحدة هناك. فقد أثبت أوباما أنه قارئ دقيق لكتاب «مشكلة من الجحيم».