أصبح الضرر أحد الطقوس اليومية. فقاذفات الصواريخ تقصف مدينة في ليبيا، بينما تقوم سفينة إنقاذ بنقل الجرحى من مدينة إلى أخرى، وتستعد المحكمة الجنائية الدولية لإصدار ثلاث مذكرات جرائم حرب، ضد نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، وتنتشر الدبابات في دول عربية، ويرفض الرئيس اليمني التنحي. كل هذا يمر من يوم لآخر في الحياة في الشرق الأوسط. ومن السهل في هذه الدراما اليومية على مدار الساعة، أن يغيب عنا حدث واحد له القدرة على تغيير المشهد بطريقة أكثر عمقاً من وفاة ابن لادن.

هذا الحدث شهدته القاهرة مؤخراً، فقد اجتمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وهما اللذان كرسا الكثير من وقتهما في السنوات الأربع الماضية من أجل أن يقوض أحدهما نشاط الآخر، في القاهرة لتوقيع اتفاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية. وأعلن الرئيس الفلسطيني أنهما سيطويان إلى الأبد صفحة الانقسام السوداء. سوف نرى! وقد تم تأجيل الاحتفال بالتوقيع على المصالحة بسبب خلاف حول ما إذا كان الزعيمان سوف يظهران على المنصة سوياً (وفي النهاية اتفقا على التحدث على التوالي). وفي الوقت الذي تم الوعد بإطلاق سراح السجناء من الجانبين، فقد تم اعتقال أربعة من نشطاء حماس في الضفة الغربية قبل يوم فقط من التوقيع.

ينبغي عدم التقليل من قوة هذا الاتفاق، فهو لا يتعلق بمسألة ما يمكن أن يقدمه أو لا يقدمه لعملية السلام. فقد قضي عليها بسبب التقاعس عن العمل منذ فترة طويلة، وليس المسؤول عنها حكومة إسرائيلية بعينها، ولكن عدة حكومات. ربما يتذرع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بأن انهيار المحادثات لم يكن هو المسؤول عنه، وأنه قدمت له هدية مجانية من حركة حماس، عندما نعى قائدها في غزة إسماعيل هنية أسامة بن لادن كمقاتل عربي. ولكن حتى لو كنت تجادل، كما يفعل نتانياهو، بأن الاعتراف بوجود إسرائيل كدولة يهودية هو لب الصراع، وليس الأراضي أو المستوطنات، فإن ما أدى إلى غرق عملية السلام أصبح جدلاً للمؤرخين، وليس للسياسيين.

ليست هناك خطة بديلة، ولا يوجد مسار واقعي لإعادة مثل هذه المحادثات إلى مسارها. وجدت إسرائيل الزعيم الفلسطيني الأكثر اعتدالاً يمكن أن تلتقيه عبر أجيال، في شخص محمود عباس على طاولة التفاوض، وقد غادر خالي الوفاض. في النهاية، لم يكن هناك سلام يمكن الابتعاد عنه. كان هناك وضع راهن، أو كما يصفه محمود عباس نفسه، أرخص احتلال في تاريخ إسرائيل. وجاء رد فعل إسرائيل على اتفاق القاهرة، بتجميد تحويلات نقدية بقيمة ‬89 مليون دولار للسلطة الفلسطينية، والذي يؤكد فكرة أن هذا الوضع الراهن غير مقبول. وكان السبيل الوحيد الذي تبقى للفلسطينيين من جميع الانتماءات، هو توحيد وإصلاح وتعزيز قيادتهم. وهذا ما بدأ يحدث أخيراً من خلال المصالحة.

يمكن أن يتحول اتفاق القاهرة إلى اتفاق هش، مثل ذلك الذي تم التوقيع عليه في مكة قبل أربع سنوات، فلا يزال من الممكن تقويضه لعدد لا يحصى من الطرق. ولكن لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بسهولة. فالعامل الجديد الذي لن يتغير، هو إعادة بروز دور مصر كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط. ولا يتوقع أحد ظهور السياسة المصرية الخارجية قبل الداخلية، وعلى الأخص قبل أن يتم تشكيل الحكومة نفسها. ولكن إذا نجحت مصر في إبراز إرادتها كما فعلت تركيا، فإن لديها الأرقام التي تغير ميزان القوى. ومن مصلحة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أن تتشكل حكومة في القاهرة من شأنها أن تبقي على اتفاقية سلام مع إسرائيل، ولكن دون خضوع لمصالحها.