يتضح من مشهد حرق القرآن على يد القس الأميركي في فلوريدا في مارس الماضي، ومنظر قطع رؤوس عدد من جنود السلام التابعين للأمم المتحدة في أفغانستان، أن الهوة تزداد عمقا بين أتباع الديانتين الاسلامية والمسيحية، ما يؤدي إلى تزايد ضراوة الحرب بين الطرفين.
ونتذكر أن الإمبراطورية الروسية قدمت للعالم في حينه، نموذجا فريدا للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين. ورغم أن هذا المثال قد لطخه الإرهاب والكراهية في العقدين الأخيرين، لا يزال بعض واحات ذاك البلد العظيم ينعم بالخير والرفاه.
فقازان، عاصمة تترستان والعاصمة الثالثة في روسيا، لا تزال تحمل بكل جدارة مسؤولية الماضي الإمبراطوري، فهناك بالذات نشهد لعبة التوازن على صعيد الدولة والعقيدة الدينية، وذلك منذ عهد الإمبراطورة كاترينا الثانية، التي سمحت ببناء المساجد وشرعنت الوجود الإسلامي في روسيا.
قازان هي إحدى المدن الأوروبية القليلة ذات التعدد الثقافي الأصيل. فيها تتجاور مطاعم الحلال الإسلامية ومقاصف الحلال اليهودية ومحلات الطعام الياباني والبيتزا الإيطالية. ومن ناحية الجمع بين العلمانية والتدين، تذكرنا قازان بالعاصمة اللبنانية بيروت وهي في أحسن صور اللين والتسامح.
ويشكل المسلمون في قازان نصف عدد سكانها، بينما يشكل النصف الثاني مسيحيون ينتمون إلى القوميات الروسية واليونانية والأوكرانية. وهذا التناسب الدقيق الذي ينطوي على خطر الانفجار، قد نمّا عند السكان عقلانية غريزية، وقدرة كبيرة على التوافق بين الجيران. إن 5 قرون من هذا العيش المشترك السلمي، ليست بالأمر البسيط أبدا.
وإذ عبرت مرحلة جَيَشان المشاعر القومية إبان البريسترويكا، فقد نجت قازان من تلك الأهواء وحافظت على العقل. وهنا نرى نسبة عالية جدا من الزيجات المختلطة، بين أبناء وبنات قوميات وطوائف مختلفة. وعلى سبيل المثال؛ تبلغ نسبة الزيجات المختلطة بين مسلمين ومسيحيين 20٪ من مجمل الزيجات في المدينة.
وتطرح في قازان، في السنوات الأخيرة، فكرة إسلام أوروبي مستنير يتصف بالرقة واللين. ومما لا شك فيه أن من الصعب تقدير مدى شعبية الإسلام الليبرالي وسط الجماهير، ومع ذلك فإن السلطة المحلية جادة في المراهنة عليه.
فهل يمكن بالفعل أن ينشأ إسلام أوروبي؟ يقول مدير معهد تاريخ تترستان، الفيلسوف رافائيل حكيموف: «مسجدي هو حاسوبي، وصلاتي هي علمي. أنا لا أتردد على المسجد. والنبي محمد قال إن العالم كله مسجد». وما يقوله حكيموف، يعد تحديا من قبل عالم مستعد أن يصعد إلى المحرقة في سبيل قناعاته.
وحكيموف شخصية هامة على الصعيدين المحلي والدولي. كان مستشارا سياسيا لرئيس تترستان، وداعية متحمسا لإسلام أوروبي ليبرالي. واشتهر على الصعيد الإسلامي عامة ببيانه الثوري «أين مكتنا؟»، الذي جاء فيه أن «من الضروري الاعتراف الصادق بأن العالم الإسلامي وجد نفسه على قارعة الطرق الرئيسية لتطور البشرية. لا يجوز أن تكون التقوى مبررا للتخلف، وإذا تخلف العالم الإسلامي عن العالم المسيحي فأين هي التقوى هنا؟».
ويقول حكيموف «عندما كانت البلدان العربية تابعة للمستعمرين، كان بالإمكان تحميل الإمبريالية العالمية مسؤولية كل شيء، غير أن الوقت الذي مضى منذ ذلك الحين، كاف كي تختار هذه البلدان طريقها الخاص.
ولكن نماذج التنمية في البلدان الإسلامية لا تدعو إلى الإعجاب، كما أن محاولات إقامة دول محض إسلامية أدت إلى مزيد من التخلف». ويرى حكيموف أنه من البلدان العربية بالذات، يأتينا أئمة شباب يقولون لنا إن الإسلام يجب أن يكون فوق مصالح الشعب أيا كان.
وهكذا، إذا كان المفتي يضع نفسه خارج الشعب، فما الفائدة منه؟ وهو إضافة لذلك، يخالف نص القرآن. ويرى حكيموف أن على روسيا الاستناد إلى فكرها الإسلامي الخاص بها. ولديها بالفعل ما تستند إليه.