ينبغي أن يجعل انتشار النظم الانتخابية البعيدة عن النزاهة، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من الشباب الغاضب حاملي الهواتف النقالة، المستبدين الأفارقة يشعرون بعدم الارتياح على نحو متزايد. تعتبر الأوضاع في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن، بمثابة عناصر تذكير مهمة بأن الهدوء الظاهري لا يجب الخلط بينه وبين التماسك الاجتماعي، وأن النمو الاقتصادي، في حد ذاته، ليس كافياً في كثير من الأحيان، ويمكن أن يزيد من الظلم. والأنظمة التي كان يبدو أنها غير معرضة للخطر، يمكن أن تسقط بسرعة. لكن هل من الممكن أن تنتشر الثورات في شمال إفريقيا إلى الجنوب؟
هذا ممكن بطبيعة الحال، فمنطقة جنوب الصحراء الإفريقية ليست كياناً سياسياً واقتصادياً منعزلاً. فهناك دول تخوض الصراع بين الإصلاحيين والمتقاعسين، وبين الدول الصغيرة والكبيرة وتلك التي تعتمد على الموارد الطبيعية.. الجميع لديه التعقيدات الخاصة والتحديات. هناك مجموعة من الدول الإصلاحية، منها غانا وتنزانيا ومالي وغيرها، حققت نمواً في اقتصاداتها بمعدل يتجاوز 5٪ سنويا منذ عام 1996، وهي العملية التي أسهمت في الحد من الفقر ومعدلات الوفيات بشكل جذري، وثورة الهاتف المحمول تربط القارة التي كانت يوماً ما منعزلة.
يأتي هذا التقدم كنتيجة لإرساء الديمقراطية على نطاق واسع، ففي عام 1980 لم يكن هناك سوى نظامين ديمقراطيين إفريقيين، أما اليوم فهناك أكثر من 40 بلداً تجري انتخابات متعددة الأحزاب بشكل منتظم، ورغم ذلك تواجه إفريقيا تحديات مشتركة. يتعلق التحدي الأول بالنمو في عدد السكان والأماكن التي سيعيشون فيها. ستكون منطقة جنوب الصحراء الإفريقية قارة حضرية بحلول عام 2025، عندما يكون ربع الذين تقل أعمارهم عن 24 سنة من سكان العالم، ينتمون لهذه المنطقة.
لقد زاد عدد سكان جنوب الصحراء الإفريقية من 100 مليون نسمة في عام 1900 إلى 800 مليون نسمة اليوم، وسوف يتراوح عددهم ما بين مليار ونصف، وملياري نسمة بحلول عام 2050. وكما هو ملحوظ على امتداد منطقة شمال إفريقيا، فإن شباب الحضر هم الذين لديهم الدافع للقيام بالثورات.
إن ذلك يبرز أيضا تحدياً ثانياً، وهو ضرورة توفير وظائف في القطاع الحكومي. عند استقلالها في عام 1964، بلغ عدد سكان زامبيا 3 ملايين نسمة، أما اليوم فقد تضاعف أكثر من أربعة مرات، لكن عدد العمالة الرسمية ارتفع من 300 ألف إلى 400 ألف شخص فقط في غضون ذلك. وعلى خلفية ارتفاع معدلات البطالة، خصوصا بين الشباب الذين يبلغ عددهم 3 ملايين شخص، علاوة على الاتهامات بالفساد على نطاق واسع، فإن المجال السياسي في زامبيا من المرجح أن يصير أكثر انقساماً في المنافسة لانتخابات الرئاسة خلال العام الجاري. والنمو في حد ذاته ليس كافيا، كما يظهر الحال في مصر، مع تصورات عدم المساواة وفشل الحكومة في إحكام السيطرة على الأمور سياسياً.
علاوة على ذلك، لا تزال لدى النخب الإفريقية خيارات أخرى، من المعونة وريع الموارد الطبيعية والتحويلات المالية، التي تثبط الإصلاحات الطموحة وتحافظ على الطبقة المتوسطة (وهي مصدر الثورات في تونس ومصر)، المحدودة والضعيفة أمام المصالح الموجهة سياسياً. وثمة تحد ثالث يتعلق بعمق الديمقراطية. فالانتخابات متكررة، لكن نوعية الديمقراطية في إفريقيا غير مكتملة. ففي تقرير لها مؤخراً، ذكرت مؤسسة «فريدوم هاوس»، وهي منظمة غير حكومية مقرها واشنطن تعنى بدراسات الديمقراطية والحرية السياسية وحقوق الإنسان، أن معظم دول جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى، تصنف على أنها «حرة جزئياً» في ظل الحدود المتعلقة باحترام الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والحريات.