قادت الرغبة في «القيام بشيء ما» حيال الوضع في ليبيا، مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار باستخدام جميع التدابير الممكنة، وهو التعبير الدبلوماسي عن استخدام القوة العسكرية، من أجل حماية السكان المدنيين في ذلك البلد المضطرب. لكن سرعان ما تلاشى الإجماع الكامن وراء هذا التصويت، ذلك أن روسيا والصين، وهما من أصحاب المقاعد الدائمة وحق النقض في مجلس الأمن واللتين امتنعتا عن التصويت على القرار، انتقدتا الإجراءات التي اتخذت لتفعيل هذا القرار. وينبغي ألا يعتبر ذلك مفاجأة.
لكن ارتفاع حدة التوتر بين الدول الغربية التي دفعت في اتجاه التحرك، هو أمر مثبط للهمم. فقد هيمنت هذه الانقسامات على قمة حلف «ناتو» التي عقدت في 15 إبريل الجاري في برلين، حيث ثار الجدل بين الأعضاء بشأن الرد الأمثل على الصمود العنيد من جانب حكومة الرئيس الليبي معمر القذافي.
وفي الوقت الذي يسود الإجماع بين معظم حكومات «ناتو» على ضرورة رحيل القذافي، وربما تكون لإيطاليا وجهة نظر مختلفة نظراً لعلاقاتها التجارية طويلة الأمد مع ليبيا، فإن الاختلافات الرئيسية تعكس تقييمات متباينة للمخاطر الناجمة، فيما ليبيا في سبيلها للتقسيم. كما أن هذه الاختلافات كشفت عن حقيقة أساسية بالنسبة لأعضاء «ناتو» في أوروبا، تتمثل في أنه رغم سنوات من الحديث بشأن تطوير القدرات الدفاعية المحلية، إلا أنها تظل غير قادرة على التحرك للدفاع عن مصالحها الوطنية المعلنة.
استغرق الأمر يومان فقط بعد تصويت الأمم المتحدة، لقيام «ناتو» بفرض منطقة حظر الطيران فوق ليبيا. وتولت الولايات المتحدة قيادة العمليات التي شملت أكثر من 100 ضربة جوية ضد أهداف ليبية، وساهمت عدة دول في القوات. وفي 24 مارس الماضي، أي بعد خمسة أيام من بدء الهجوم، وافق «ناتو» على السيطرة على هذا الجهد. وتم التسليم الفعلي للسلطة في 31 مارس.
ولم تتمكن قوات الثوار من استغلال الفرصة، حيث وصلت الحرب البرية إلى حالة جمود دموية، وفي بعض الحالات كانت قوات القذافي تستأنف الهجوم. وقد أجبر هذا زعماء «ناتو» على التفكير في تدابير إضافية لمساعدة الثوّار، وهي الخطوة التي أثارت تساؤلات حول تجاوز قرار مجلس الأمن.
خلال قمة «ناتو» التي انعقدت مؤخراً، وجّه وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» اتهاماً بأن الضربات العسكرية الحالية «في كثير من الحالات تتجاوز الإطار الذي حدده مجلس الأمن»، وهو الاتهام الذى رفضه «أندرس فوغ راسموسن» الأمين العام لحلف «ناتو»، الذي بادر بالرد بأن قوات «ناتو» تتصرف بما يتفق تماما مع روح ونص قرار مجلس الأمن الدولي». تكمن المشكلة في أن تمديد العمليات سيدفع بقوات «ناتو» إلى دخول مناطق محل نزاع. وفي مقال مشترك نشر في ثلاث صحف رائدة في بلدانهم، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، إن مستقبل ليبيا «مستحيل» في ظل وجود القذافي في السلطة. وهذا المطلب بتغيير النظام، لا يؤكد فقط المخاوف من التدخل الغربي التي ساعدت في تحريك مقاومة ممتدة في الصين وروسيا فحسب، لكنه أدى إلى تنفير الحكومات التابعة لـ«ناتو».
هناك دلائل ضعيفة على أن الولايات المتحدة حاولت إرسال رسالة لشركائها، حول الفجوة بين طموحات الأمن الأوروبي وقدرات أوروبا. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة ليست حليفاً يمكن الاعتماد عليه، بل يعني أن الحكومات الأوروبية بحاجة إلى أن تدرك أن عليها الاستعداد لتولي القيادة، ليس فقط لمجرد توليها، وإنما من خلال اتخاذ إجراءات، عند معالجة مخاوفها الأمنية القومية.