قبل عامين تقريباً، ألقى ديفيد ميليباند وزير الخارجية البريطاني آنذاك، كلمة أمام اجتماع لحلف «ناتو»، أعرب فيها عن ثقته بأنه يتم اتباع الاستراتيجية الصحيحة في أفغانستان. وقال إن الأعضاء لن يجبروا تنظيم طالبان على الاستسلام، ولن يتمكنوا من إثنائه عن موقفه. لكن «ميليباند» تابع بالقول: «من خلال تحدي التمرد.. عبر إقرار الحكم الشرعي.. فإن الحكومة الأفغانية، من خلال دعمنا يمكن أن تنتصر».

اليوم يشعر «ميليباند»، عضو البرلمان الذي يحتل مقعداً خلفياً، بأنه أقل ثقة، بناء على هذه الحسابات الثلاثة. وقد قال مؤخراً، إن مسلحي طالبان يتزايدون في العدد، نقلا عن تقديرات قوة «إيساف» الدولية التي تشير إلى أن عددهم يصل ‬35 ألف مقاتل بدوام كامل، حيث طعن في فكرة أنه يمكن إقرار القانون والنظام من قبل قوات دولة مركزية. وبالنسبة للحكم الشرعي، كانت هناك وجهتا نظر في ما يتعلق بالرئيس الأفغاني حامد قرضاي، وهو رجل مؤهل بشكل فريد لتوحيد شعبه، أو أضعف حلقاته، في ظل التزوير في الانتخابات والفساد والمحسوبية، والأهواء التي تضعف قوة الحكومة الأفغانية. لم يلزم «ميليباند» نفسه، لكنه قال إنه من غير المقبول أن تتفوق طالبان على الحكومة في مناطق كثيرة.

وتفرض عدالتها القاسية التي لا تتسم الفساد. لذلك فإنه في حين حدد الغرب موعداً لنهاية الحرب في ‬2014، فقد خلص «ميليباند» إلى أنه لا توجد بعد استراتيجية سياسية لإنهاء الصراع. «ميليباند» ليس الصوت الوحيد الذي يشكك في التركيز المستمر على العمليات العسكرية، فقد قال فريق مهام برئاسة الأخضر الإبراهيمي الممثل الخاص السابق للأمم المتحدة إلى أفغانستان، و«توماس بيكرينغ» وكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق، إن السياسة الحالية لإعادة الإدماج ربما تقلص وحدات صغيرة تابعة لحركة طالبان، لكنها لن توفر الحسم السياسي الذي سيقتضي تحقيق السلام. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا عن طريق التوصل إلى تسوية تسمح بتمثيل طالبان في الحكومة المركزية والحكومات المحلية، وتحديد الدور الصحيح للشريعة الإسلامية في تنظيم الزي والسلوك وإقامة العدل وحماية حقوق المرأة، ودمج مقاتلي طالبان في قوات الأمن الأفغانية، وقطع علاقاتها مع تنظيم القاعدة، وضمان انسحاب القوات الأجنبية.

كل هذا يأتي في توقيت متأخر، فقد بات التدخل الغربي الآن أطول زمناً مما كان عليه تدخل الاتحاد السوفييتي السابق. لكن قبل ثلاث سنوات من الموعد المحدد للانسحاب، لا يوجد عنصر سياسي لهذا الموعد، ولا يوجد رأي موحد في واشنطن حول كيفية تحقيق ذلك. ومع طرد طالبان كوجود رئيسي في هلمند وقندهار، فإن تهنئة الذات والشك فيها يسودان في الأفق بنسب متساوية تقريبا. وليس هناك شح في الأفكار الإبداعية لوضع حد لهذا الصراع، لكن قد لا تكون واشنطن قوية بالقدر الكافي للتفكير في نهاية اللعبة. قال المفاوض السابق للأمم المتحدة المشارك في اتفاقيات جنيف بشأن انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان «جياندومينيكو بيكو»: إننا قد نضطر إلى التخلي عن فكرة أفغانستان كدولة قومية ذات حكم مركزي.

وهي المغالطة المشتركة من قبل السوفييت وطالبان والغرب.. يمكن لحدودها المليئة بالثغرات أن تكون مضمونة من قبل قمة إقليمية تضم الدول التي لها تأثير، مثل باكستان والهند وإيران والسعودية. إن القادة الأميركيين يعتقدون أن الخلاص يكمن في قوة الأمن الأفغانية الوطنية التي تضم ‬305 آلاف رجل، وهم يتشبثون بالأمل في أن الدولة الأفغانية سوف تصمد بعد رحيلهم. وبعد عقود من الحرب، يظل هذان الأمران افتراضيين، ولا يزال بمقدور حلف «ناتو» تجنب خروج مذلٍ من أفغانستان، ولكن حسب ما عليه الأوضاع الآن، فإن الخروج الذي قام به السوفييت الذين كال لهم التاريخ الازدراء والسخرية، قد ينتهي به المطاف إلى أن يكون منظماً بالفعل، مقارنة بما سيقوم به «ناتو»!