أكبر دسائس وألغاز هذه الثورات التي تشهدها بلدان العالم العربي هي ايديولوجيتها. إن العديد من الإعلاميين في الغرب يسعون للعثور في الأحداث على ما يثبت أن العرب، كالأميركيين والروس، يريدون الحرية والديمقراطية.

وثمة بعض الصحافيين والساسة الروس الذين يكررون ما يقوله الغربيون.

وهناك بعض الخبراء ورجالات الدولة في روسيا والغرب ممن يحاولون أن يكونوا أكثر تيقظا لما يجري، فيقولون إن مناظر سقوط الطغاة تبعث على السرور، ولكن من المفيد معرفة من سيخلفهم.

إن تجربة الحرب الأهلية في طاجكستان تقدم بعض الدروس. ففي أوائل تسعينات القرن الماضي كانت النخبة الطاجكية المتنورة في طليعة الذين اسقطوا النظام السوفييتي.

وبعد قرابة الشهرين من ذلك تم طرد الليبراليين الطاجيك بكل فظاظة من معسكر المنتصرين، وأصبحت قيادة الجماهير الثورية في أيدي الإسلاميين المسلحين.

ما هي الفكرة التي تحرك الثوران العربي؟ ثمة ثلاث أفكار هي الحرية، والعدالة، والإسلام. غير أن الصلة بين الحرية وعدمها تُفهم في الشرق على نحو مختلف عما في الغرب.

إن الفهم الغربي للحرية قائم على النظرة الفردية، وتجسيدُه المبسط هو المبدأ الانتخابي «للشخص الواحد صوت واحد». أما في الشرق فإن حرية الشخص خاضعة لمصلحة الجماعة (العشيرة، القبيلة، البلاد).

والناس هناك يصوتون مجتمعين، كمشاعة، أو عائلة، أو قرية. ويبدو أن فكرة العدالة في ظل هذا التصور قد تكون أكثر قربا للعرب من فكرة الحرية، خاصة .

وأن أحداث الشرق العربي تنسجم والاتجاه الاحتجاجي السياسي - الاجتماعي العالمي الذي ظهر العام الماضي في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا. إن فكرة العدالة في فهمها الأوروبي الغربي، والروسي، والأميركي، هي فكرة يسارية،.

بينما لا نجد في التمردات العربية ما يشبه اليسار المألوف. ولا يلاحظ المرء رغبة بإثراء الفقراء على حساب الأثرياء، أو حديثا عن المساواة (بين الرجال والنساء، المسلمين والمسيحيين، اليهود والملحدين).

يبقى لنا إذا الافتراض بأن ما يحرك المتمردين هو الإسلام السياسي الراديكالي بدون شوائب يسارية،.

وهذه هي الخمينية (بغض النظر عن منشأها الشيعي) الملائمة تماما لاستيعابها من قبل السُنة، كما بينت تجربة أفغانستان. وماذا لو لم تكن لأي من هذه الأفكار الثلاث علاقة بتمردات العالم العربي؟

في مصر وتونس واليمن وسورية، وفي ليبيا طبعا، يدور صراع أجيال عادي، أي تصادم بين الأجيال. إن الشباب من أنصار الطغاة القوميين يتحرقون شوقا للحصول في نهاية المطاف على المنافع عبر اشتراكهم بالسلطة التي لم تسمح طيلة ثلاثين سنة للشرائح الدنيا من الوصول إلى الأعلى.

ومن الملاحظ أن أية ثورة من هذه الثورات لم تطرح شعارات سياسية خاصة، فالثائرون مجمعون على المطالبة بشيء واحد فقط، هو تغيير الزعيم المسن.

ولم يكن ما يدل على الإجماع في المسائل الأخرى. إن الشعارات الديمقراطية التي اختلقها المراقبون الغرباء استجاب لها والتقطها جزء نبيه من المتمردين أدرك أن ذلك يتيح له الحصول على مساعدة عسكرية ومالية من الغرب.

إن العرب في واقع الأمر يريدون قادة جددا، لأن الزعماء الشباب سيوصلون إلى السلطة طواقم جديدة من أنصارهم، ويود الانضمام إليها كل من يطالب برحيل الطغاة المسنين ـ القدافي ومبارك وصالح.

ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المتمردين يريدون التخلي عن الاستبداد عموما. والأسوأ من ذلك أنهم قد يسعون إلى المحافظة على الاستبداد بإضفاء صفات الأصالة القومية والعراقة عليه.

وفي الحال الأفضل يسير العسكريون في مصر «على طريق مبارك بدون مبارك». وفي الحال الأسوأ، قد يجد العالم العربي نفسه مهددا بخطر «خمينية بدون الخميني».