قديما قالها الفيلسوف اليوناني القديم: إنك لا تنزل النهر مرتين، وعلى مدار العصور مازالت متواترة تلك المقولة الشائعة: ان الايام دول.. ودوام الاحوال من المحال.
والمعنى بداهة ان العالم الى تغير وان الاوضاع الى تحولات بغير توقف وانما هو الحراك الذي يستمر بغير انقطاع..
وربما تصدق مثل هذه المقولات على عالم المال والاقتصاد بالدرجة الأولى باعتباره المجال الذي يتأثر سلبا وايجابا، صعودا او هبوطا، انتعاشا وازدهارا او ركودا او بواراً بحركة المجتمع البشري وبقدرة الناس على التعامل مع الموارد الطبيعية ما بين اساليب الرشد والقصد وآليات الحفظ والاجتهاد الى آليات الاسراف والمبالغة. فضلا عن طيش التبذير ورعونة الاهدار.
في ضوء هذا كله.. وهو من بديهيات حركة المجتمعات وتطور الاوضاع البشرية.. لابد وان نرصد الديناميات المستجدة على اوضاع الاقتصاد العالمي.. هل نقول الكوكبي.. وهي اوضاع ينبغي لها ان تظل محل متابعة من جانب كل فرد يعيش على ظهر الكوكب وباعتبارها عوامل مؤثرة على حاضر كوكبنا وغده، ومستقبل اجياله على السواء.
الصين وأميركا
ولعل ابلغ نماذج التحولات في هذا المجال ما يتمثل الآن في حالتين هما:
(1) حالة الصين
(2) وحالة أميركا
بالنسبة للحالة الصينية ـ ظل عالمنا يتابع بشغف ملحوظ تطورات الامور في ارض الصين الشعبية على مدار الجسر الزمني الفاصل بين آخر سنوات القرن العشرين ومطلع سنوات القرن الواحد والعشرين..
كانت هذه التطورات، في كثير من جوانبها ان لم يكن في اغلبها، تشير الى حالة من الصعود الصيني الى اعلى مراقي التطور التقني والنهوض الاقتصادي ومن ثم المنعة السياسية، فيما اصبح يصدق عليه ويعرف - اعلاميا على الاقل - بالمصطلح الشهير .. "المعجزة الصينية".
وربما بدأت الخيوط السحرية، او شبه السحرية لهذه المعجزة مع تولي زعيمهم "دنغ هيساو بنغ" مقاليد الامور في الصين مع اواخر عقد السبعينات، وقد عمد وقتها الى اخراج بلاده من اسوار الدوغما العقائدية (الماركسية الماوتسية حتى لا ننسى) الى حيث طرح ما يمكن وصفه بأنه سياسة الانفتاح الصيني التي زاوج فيها بين الوقوف على ارض ثابتة مهدتها منجزات الثورة الصينية التي سبق وفجّرها زعيمهم التاريخي ماوتسي تونغ ورفاقه في عام 1949، وبين الانفتاح على عالم الثلث الاخير من القرن الماضي حتى ولو ادى هذا الانفتاح الى الأخذ من ايجابيات التجارب الرأسمالية وكان في مقدمتها تجربة الولايات المتحدة بطبيعة الحال.
وجاءت التسعينات
هكذا جاء عقد التسعينات ويومها اختفى العنصر السوفييتي من خارطة عالمنا وكان ان برزت الصين بكل عنفوان تجربتها ويفاعة تنميتها بوصفها قوة بازغة وعفية تعلمت من اخطاء التجربة الروسية ـ السوفيتية واستوعبت نجاحات جارتها اليابان وعمدت الى هضم التجربة الرأسمالية الاميركية مع تجنب المزالق والاخطاء التي شابت تجارب كل من موسكو وطوكيو وواشنطن الى حيث دخلت بكين عالم القرن الواحد والعشرين وقد انجزت ما اصبح يصدق عليه ـ كما ألمحنا ـ وصف المعجزة.
بيد ان عنصر الابهار فى هذه المعجزة ظل يتمثل في تصورنا لا في انتاج الاعظم او الأكفأ او الاجمل او الاروع، على غرار ما درج عليه النموذج الأميركاني من الاسراف في استخدام "أفعل التفضيل" كما يقول البلغاء، ولكن المعجزة الصينية تجسدت ـ كما نرى ـ في انتشال الصين من وهدة الكيان المتخلف او موقع الدولة النامية..
الى حيث اصبحت قادرة على توفير حد مقبول من الحياة لعدد يتجاوز بكثير حجم المليار وربع المليار نسمة من السكان.. وهو كابوس ديموغرافي في كل الأحوال، فما بالنا وقد عمدت الصين الى ابهار العالم، وبرهنت على ذلك بكل اقتدار: وما كفاءتها المشهودة في تنظيم احدث دورة أولمبياد دولية الا شاهد على ذلك بكل معنى ودلالة.
هكذا غطت الاسواق، كل الاسواق العالمية مصنوعات الصين ومنتوجات الصين، وخدمات الصين وبأسعار بلغت من تهاودها ان شكلت منافسة بالغة التحدي والشراسة في مواجهة الدولار وهو السيد النقدي المبجل منذ الحرب العالمية الثانية ولدرجة ان بحّ صوت اميركا في مناشدة الصين تخفيض عملتها النقدية (الرومبيني ـ اليوان) تطلعا الى موقع مكافئ مهما كان محدودا الى جانب الصين في سوق المنافسة العالمية.
عن المعجزة
وكم اسهب المحللون في الحديث عن معجزة الصين ومنهم من ظل مغاليا من حيث التمدح في طفرة الازدهار في الصين. تلك التي وضعت الصين ولا فخر - في المركز الثاني مباشرة - بعد اميركا - من صدارة النظم الاقتصادية في العالم.
وحين خيمت سحابات الازمة الاقتصادية وعمرها الآن نحو 6 سنوات، على اجواء الساحة العالمية.. زاد حماس المراقبين اتقادا، ومنهم من ظل يرهف السمع ربما إلى معلومات واخبار وبيانات يسمعها بشأن تحرك بكين الصينية الى المركز رقم واحد في ترتيب الاقتصاد العالمي.
ولكن ها هي الايام القليلة الاخيرة تقول بعكس هذا التوقع، وتشير الى ان ثمة تراجعا او انحسارا في مسيرة الصين من ذرى المعجزة كما وصفوها الى وهاد الازمة كما توحي بذلك احدث المعلومات.
تلك اذن قوانين التحولات ونواميس التغير على نحو ما بسطناه في مستهل هذا الحديث.
وها هي البيانات، احدث المعلومات التي رَشَحت من بكين توحي بما لخصه المراقبون والمحللون الاقتصاديون في ايجاز شديد وبليغ بما يلي: انتهت سنوات طفرة الازدهار في الصين.
بيانات التراجع
هذا هو بالحْرف عنوان الدراسة التي أعدها "بييان جونسون" ونشرته في احدث اعدادها جريدة الهيرالد تربيون الدولية (عدد 15 يوليو 2012) وأوضح فيها حالة البطء التي اعترت مسيرة النمو في الصين فضلا عن مشاعر القلق الموضوعي الذي بات ينتاب محللي الشأن الاقتصادي والانمائي داخل الساحة الصينية وخارجها.
تقول أحدث البيانات في هذا المضمار:
لقد أصيب الناتج المحلي الاجمالي للصين "بنوبة" انخفاض حاد من معدل 9.5 فى المئة سنويا في العام الماضي الى حيث اصبح 7.6 في المئة في الفترة ابريل- يونيه من العام الحالي.
صحيح ان المعدل الجديد مازال ايجابيا بالنسبة للحالة السائدة في اقطار اخرى من العالم، لكن الاصح ان هذا الانخفاض النسبي طبعا في حالة الصين- له دلالته الخاصة في بلد لا يملك ترف التوقف عن النمو نظرا لحجم سكانه وتزايد مطالب وضروريات، وايضا طموحات، هذا الحجم السوبر- ملياري، وخاصة في عالم لم يعد يتحمل اسوار العزلة التي كان بوسع العم "ماوتسي تونغ" ان يحصّن بها تجربته عند منتصف قرن مضى، وانما اصبح نفس العالم بداهة اقرب الى قرية لا تعرف العزلة بين سكان حاراتها او قاطني دروبها وشوارعها وزواياها حيث تهطل المعلومات على اهل القرية العالمية بمعدلات غير مسبوقة في كل لحظة وكل ثانية من عمر زمان لاهث بشكل غير مسبوق.
ظاهرة عامة
والحق ان موضوعية الرصد التحليلي لابد وان تلاحظ ان التراجع الاقتصادي يكاد يشكل ظاهرة عامة تشمل كثيرا من اطراف عالمنا، يستوي في ذلك اقتصاد متقدم في اميركا او اقتصاد تدفعه او تجّره قاطرة دينامية النشاط مثل الصين، او اقتصاد ناهض، أو صاعد على نحو ما تشهده اقطار اخرى مثل الهند والبرازيل.
عن الحالة الصينية التي كانت مبهرة في سنوات خلت يقول "آندي روثمان" وهو من كبار الباحثين الاقتصاديين في اميركا:
لقد ولت الايام التي كانت الصين تحقق فيها معدل 20 في المئة من النمو وخاصة في قطاعات انتاج السيارات والسلع الكمالية.
من جانبهم كان طبيعيا ان يخفّ المسؤولون الصينيون الى الدفاع عن ظاهرة التراجع التى تشهدها بلادهم او فلنقل الى التخفيف من وطأتها.
هنا تنقل الدراسة الاميركية المنشورة عن الاقتصادي الصيني "شنغ لالين" الباحث في مكتب الاحصاءات في العاصمة الصينية:
بعد 30 سنة من اندفاعة النمو، بدأ اقتصاد الصين يدخل مرحلة من التحول.. صحيح ان امكانات النمو سوف تنخفض حجما وتتعرض للابطاء وتيرتها، الا ان هذه قاعدة تشمل العالم كله.
عوامل سلبية
والحق ان مثل هذه التصريحات او الاحكام قد تكون صحيحة في حد ذاتها، ولكنها تنذر بعوامل سلبية اذا ما تم التعامل معها من منظور التوقعات السياسية في الساحة الصينية بشكل عام.
هكذا تتطرق دراسة "الهيرالد تربيون" الى عنصر التزامن بين هذا البطء في مسيرة النمو الصيني وبين التوقعات السياسية المرتقبة التي تعد بتغيرات جذرية ومفصلية، في نوعية القيادة الصينية الاعلى في غضون الاشهر القليلة المقبلة.. وتلك تغيرات يمكن ان تعد، او ربما تنذر، بحالات من التبدل سواء في المسار السياسي او التناول العقائدي او آليات الحكم الذي يمارسه الآن حزب واحد مازال يقبض بأصابع الايديولوجية على اعنّة الحكم في بلد كبير مساحة وسكانا ومشاكل وتحديات داخلية، واقليمية وعولمية اسمه الصين.
على ان اخطر التحديات المقدر ان تصادفها القيادة المستجدة في الفترة القريبة ما يتمثل في ازمات السوق الداخلي ومشاكل الاقتصادات المحلية في البلاد بعد ان ظهرت علامات من التباطؤ والوهن على قاطرة النمو الصينية وترجمت هذه العلامات نفسها في ازمات اكثر من ملحوظة مثلا في سوق الاسكان.
وتلك علامات لم تفت ملاحظتها على كبار القادة في بكين وهو ما دفع السيد "وين باو" رئيس وزراء الصين الى ان يقول مؤخرا في تصريحاته:
علينا ان نواجه ضغوطا هائلة تنحو بمعدلات الاقتصاد نحو الانخفاض والتباطؤ.. وهو ما يتعين علينا ان نتعامل معه بكل عزم واصرار.
في هذا السياق بالذات تلاحظ الدراسة الاميركية ايضا كيف بدأ هذا التعامل المستجد مع بوادر الازمة الاقتصادية حين اصدرت حكومة الصين قرارها خلال شهر يوليو الحالي بتخفيض معدلات الاقراض المصرفي للمرة الثانية خلال شهر واحد فقط لا غير. ومن عجب ان يخفق قلب المسؤولين في بكين خوفا من النزول عن نسبة 8 فى المئة من النمو السنوي لاقتصاديات بلادهم.
وبديهي ان يتمثل هذا العجب في ان 8 في المئة هو معدل معقول اصلا، وان لم يكن مرموقا بالنسبة لبلاد كثيرة في طول العالم وعرضه، دعك من ان هناك من اقطار العالم.. ما يدنو معدل نموها السنوي عن مستوى الصفر في بعض الاحيان..
الأمر تحت السيطرة
تواضع مسؤولو الصين على اعتبار معدل 8 في المئة بمثابة نقطة البداية او عتبة الانطلاق بالنسبة لنمو اقتصادي مقبول ومطلوب للبلد الآسيوي الكبير وهو ما ظلت تشهده سنوات العقدين الاخيرين من عمر زماننا. وما دون ذلك اصبح في تصورهم- يشكل خطرا محتملا ومتمثلا في نشوء حالة من زعزعة الاستقرار وذلك في ضوء الاعداد الغفيرة والمقدرة بعشرات الملايين من مواطني الصين المستعدين الى، والراغبين، في دخول بل اقتحام سوق العمل عاما بعد عام. وعندما تحوم مسيرة النمو هناك حول الرقم 8 في المئة، صعودا او هبوطا فمعنى ذلك ان الامر مازال تحت السيطرة بصورة او بأخرى.. او هكذا يأملون.
انطلاقة التنين الأصفر
ظلت الصين على مدار الاعوام الثلاثين الاخيرة موضعا لوصف مرموق هو "المعجزة" بفضل الاداء الاقتصادي المشهود الذى حقق لذلك البلد الأسيوي الكبير معدلات مرتفعة من النمو وهو ما نقل الصين عبر تلك الفترة القصيرة نسبيا من مجرد بلد نام او آخذ في النمو ومتفرد ـ سلبا وايجابا ـ بآليات خاصة به خلال حقبة زعيمها الاول "ماوتسى تونغ" التي كانت فيها الصين شبه مغلقة ومنعزلة تماما عن العالم كمستعمرة شيوعية من نوع خاص.
حتى علاقاتها مع جارها الشيوعي الاتحاد السوفييتي وباقي الدول الشيوعية في العالم كانت أيضا محدودة وتشوبها مشاكل كثيرة أيديولوجية وحدودية وسياسية وغيرها، وبعد ماوتسي تونج، وخاصة في السبعينات تغيرت الصين، حيث اخذت بسياسة اقرب الى الانفتاح المتفاعل مع العالم وتجاربه، مع التخلي عن تطبيق حرفي او دوجماتي للنظريات الماركسية، وكان ذلك مع تولي زعيمها الثاني "دنغ هيساو بنغ" امورها عند اواخر السبعينات من القرن الماضي.
ثم انطلقت بعد ذلك عجلات التنمية والانتاج بشكل كبير، ومن ثم شهدت الصين وخاصة على مدار السنوات العشرين الاخيرة، اندفاعة عفية من حيث معدلات التنمية وإنجازاتها ولدرجة ان اعتمدت نسبة 8 فى المائة بوصفها عتبة معدلات النمو السنوي ثم تجاوزت هذا المعدل في سنوات مضت ولكنها باتت مؤخرا متأثرة من جراء الازمة الاقتصادية العالمية فكان ان تباطأت مسيرة هذا النمو ومازالت تتوقع نشوء تحديات جديدة امام مسيرتها الاقتصادية يزيد من حدتها ما تنتظره "ين" من متغيرات سياسية لعل اهمها التغييرات عند قمة قيادتها فى الاشهر القليلة القادمة.