الرجل الذي رفض الفائدة الأعلى.. كان رجلاً يملك مدخرات كبيرة، وأراد استثمارها، ذهب إلى مصرفين.

قال له الأول: أعطيك عائداً مرتفعاً جداً.

وسأله الرجل: وهل أستطيع استرداد أموالي عندما أريد؟

أجاب الموظف بابتسامة غامضة: إن شاء الله.

ذهب إلى المصرف الثاني، كان العائد أقل.. لكنه وجد عقداً واضحاً، وحسابات معلنة، ونظاماً يعرف حقوقه، ومؤسسة يعرف أنها ستفتح أبوابها غداً كما فتحتها اليوم.. فوضع أمواله في المصرف الثاني.

تعجب صديقه: تركت العائد الأعلى؟

أجابه: نعم... لأنني اشتريت شيئاً آخر بالفرق.

سأله: ماذا؟

قال: النوم.

هذه ليست قصة مصرف، إنها قصة أصل اقتصادي بالغ الأهمية لا يظهر بسهولة في الميزانيات:

نناقش الاقتصاد عادة بلغة الأرقام.

النمو، الفائدة، الضرائب، الدين، التضخم والاستثمار.

لكن خلف كل هذه الأرقام سؤالاً بسيطاً يسبق القرار الاقتصادي: هل أثق؟ هل يثق المستثمر بأن القواعد لن تتغير فجأة؟ هل يثق صاحب الشركة بأن العقد سيُنفذ؟ هل يثق المستهلك بالعملة؟ وهل يثق العالم بأن الدولة ستفي بالتزاماتها؟

للثقة سعر

في الاقتصاد، عدم اليقين ليس شعوراً نفسياً فقط.

له تكلفة. كلما ارتفعت المخاطر، طالب المستثمر بعائد أعلى. وكلما انخفضت الثقة، أصبح التمويل أغلى، والاستثمار أصعب، والقرارات أقصر أجلاً. والعكس صحيح.

الدولة التي تبني مؤسسات موثوقة وقوانين واضحة واستقراراً اقتصادياً لا تحصل فقط على سمعة جيدة. تحصل عملياً على تكلفة أقل لممارسة الأعمال.

لماذا تذهب الأموال إلى أماكن بعينها؟

لهذا قد نجد رأس المال العالمي يتدفق إلى مراكز لا تملك أكبر الأسواق ولا أكثر الموارد الطبيعية.

سويسرا بنت جزءاً من مكانتها على الاستقرار والثقة. سنغافورة بنتها على المؤسسات والكفاءة. والإمارات استطاعت أن تجعل الاستقرار وسرعة القرار والانفتاح والقدرة على التخطيط طويل الأجل عناصر أساسية في جاذبيتها الاقتصادية.

ليست المسألة شعاراً. المستثمر يضع سعراً لكل ذلك في نموذجه المالي، حتى لو لم يكتب كلمة «ثقة» في جدول الحسابات.

أغلى عملة

يمكن للدولة أن تبني طريقاً في سنوات. ويمكنها شراء التكنولوجيا في شهور. ويمكن لرأس المال أن يصل إليها في لحظات.

أما الثقة... فتحتاج سنوات كي تُبنى، وقد تحتاج قراراً واحداً فقط كي تتضرر. ولهذا ربما تكون أثمن الأصول الاقتصادية للدول ليست تلك الموجودة تحت الأرض، ولا حتى الأموال الموجودة في البنوك.

إنها أن ينظر إليك المستثمر من الجانب الآخر من العالم ويقول: «أعرف أن مالي سيكون هنا غداً». فالعملات تُطبع. والأموال تنتقل. أما الثقة...

فلا يوجد بنك مركزي يستطيع طباعتها.