يُعد معالي محمد المر أحد أبرز القامات الثقافية والأدبية في دولة الإمارات، فقد استطاع على مدى عقود أن يجمع بين الإبداع الأدبي والعمل الوطني، وأن يرسخ حضوره بوصفه قاصاً وكاتباً ومثقفاً حمل همّ الثقافة الإماراتية إلى آفاق عربية وعالمية.
ولم يكن حضوره في المشهد الثقافي نتاج غزارة الإنتاج فحسب، بل نتيجة رؤية تؤمن بأن الثقافة هي أساس بناء الإنسان، وأن الأدب هو المرآة الصادقة للمجتمع وتحولاته.
عُرف معاليه من خلال مجموعاته القصصية التي وثقت تفاصيل الحياة الإماراتية، ورصدت تحولات المجتمع بأسلوب إنساني رفيع، كما برز في أدب الرحلات، الذي مزج فيه بين متعة السفر وعمق التأمل في الثقافات والشعوب، ومن أبرز أعماله «حب من نوع آخر»، و«سحابة صيف»، وغيرها، إضافة إلى كتابه في أدب الرحلات «حول العالم في 22 يوماً»، الذي يقدم تجربة مختلفة في قراءة المدن والناس، بعيداً عن الوصف التقليدي للرحلات.
وقد تُرجمت العديد من أعماله إلى لغات أجنبية، في خطوة أسهمت في تعريف القارئ العالمي بالأدب الإماراتي.
ولعلي من المحظوظين بأن أنتمي إلى الجيل، الذي كبر على إصداراته وكتاباته في القصة وأدب الرحلات. كانت كتبه من أوائل ما وقع بين يدي، ورافقت سنوات تكويني الثقافي، فتعلمت من قصصه كيف يمكن للأدب أن يلتقط جمال التفاصيل اليومية، وأن يحفظ ذاكرة المكان والإنسان، كما تعلمت من رحلاته أن السفر ليس انتقالاً بين البلدان فحسب، بل حوار مع الحضارات واكتشاف للذات، لذلك لم يكن المر بالنسبة لي مجرد قاص متميز، بل أحد الكتّاب الذين أسهموا في تشكيل ذائقتي الأدبية، ورسخوا لدي محبة الأدب الإماراتي والإيمان بقيمته الثقافية.
ولم تتوقف إسهامات المر عند حدود الكتابة، بل امتدت إلى العمل الثقافي والمؤسسي، حيث يتولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، ونائب رئيس مجلس إدارة الأرشيف والمكتبة الوطنية، التي أصبحت منارة معرفية تعكس رؤية دولة الإمارات في الاستثمار بالعلم والثقافة، وتسهم في نشر القراءة ودعم الباحثين والكتّاب وصناعة المعرفة، كما شغل سابقاً منصب رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وقدم نموذجاً للمثقف الذي يجمع بين الفكر والمسؤولية الوطنية.
ولعل أبلغ ما يلخص هذه المسيرة ما أكده سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، حين وصفه بأنه من الشخصيات التي تسهم في «صناعة الثقافة وترسيخ إرثها في الذاكرة الإماراتية»، وهي شهادة لا تكرّم شخصاً بقدر ما تؤكد قيمة مشروع ثقافي امتد لعقود، وسيبقى أثره حاضراً في المكتبة الإماراتية، وفي ذاكرة كل قارئ وجد في محمد المر كاتباً يكتب الإنسان، ويصون المكان، ويجعل من الثقافة رسالة للأجيال.