نعيش اليوم في زمنٍ طغت فيه المادية على كثير من مظاهر الحياة، وأصبح السعي نحو النجاح وتحقيق الذات هدفاً رئيسياً لدى الأفراد، أحياناً بأي وسيلة كانت. ومع هذا التحول، يرى البعض أن قيمة العطاء تراجعت، أو على الأقل ضاق فهمها، إذ حُصرت في الإطار المادي كالنقود والهدايا والطعام. غير أن هذا التصور يختزل مفهوماً إنسانياً عظيماً في حدود ضيقة، بينما العطاء في حقيقته أوسع وأعمق بكثير.

فالعطاء ليس مجرد مال يُدفع أو هدية تُقدَّم، بل هو منظومة من القيم والمشاعر النبيلة. هو الاهتمام الصادق، والكلمة الطيبة، والابتسامة التي تزرع الطمأنينة في قلب متعب. هو الحب الذي يُمنح دون انتظار مقابل، والصداقة التي تُصان في أوقات الشدة قبل الرخاء، والإيثار الذي يجعل الإنسان يقدّم غيره على نفسه. بل إن الدعاء الخالص بظهر الغيب صورة راقية من صور العطاء، لأنه تعبير عن محبة نقية لا يشوبها غرض.

من هذا المنطلق، لا يمكن للفقر أن يكون عائقاً أمام العطاء، لأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان لا يُقاس بثمن. الأمانة عطاء في زمن تتعدد فيه أشكال الخداع، والصدق عطاء في واقع يثقل كاهله الزيف، والإخلاص عطاء في عالم تتنازعه المصالح. كل هذه القيم متاحة للجميع، لا تحتاج إلى رصيد مالي، بل إلى رصيد أخلاقي وإنساني. ولعل الكاتبة الألمانية آن فرانك عبّرت عن هذه الحقيقة بقولها: «لم يصبح أي شخص فقيراً بسبب عطائه». فالعطاء الحقيقي لا يُنقص صاحبه، بل يثري روحه ويمنحه سكينة داخلية لا تُشترى.

العطاء قيمة إنسانية مشاعة، لم تُخلق لفئة دون أخرى، ولا حُصرت في أصحاب الثروات. هو سلوك يمارسه كل من يحمل قلباً نقياً وضميراً حياً. قد يكون في صورة استماع متفهم، أو مساندة معنوية، أو مشاركة صادقة في الفرح والحزن. وفي كثير من الأحيان، يكون الأثر الذي يتركه هذا النوع من العطاء أعمق من أي عطاء مادي.

وحين تحل مواسم الخير والروحانية، كأيام شهر رمضان، تتجدد الدعوة إلى إحياء هذه القيمة في نفوسنا. فرمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل مدرسة تربوية تعلّمنا الصبر، والتراحم، والشعور بالآخرين. في أجوائه تتعزز روح التكافل، ويزداد الإحساس بحاجة المحتاج، ويترسخ معنى المشاركة. إنها فرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا، وتوسيع مفهومنا للعطاء ليشمل كل صور الخير الممكنة.