في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، أصبح التفكير العميق عملة نادرة. فالتقنية الحديثة سهّلت الوصول إلى المعرفة، لكنها في المقابل قللت من حاجتنا إلى تشغيل عقولنا. صرنا نبحث عن الإجابة السريعة بدل السؤال الذكي، وعن المعلومة الجاهزة بدل التحليل والفهم. ومع الوقت، بات العقل أقل صبراً على التفكير، وأكثر ميلاً للاستهلاك. والحقيقة التي لا خلاف عليها أن التفكير، مثل العضلات تماماً، إن لم يُدرَّب يضعف.

يُحكى عن معلم في إحدى المدارس الثانوية كان يلاحظ تفوق أحد طلابه بشكل لافت، ليس فقط في التحصيل الدراسي، بل في قدرته على التحليل، وربط الأفكار، وطرح أسئلة غير تقليدية. وعندما سأله يوماً عن سر هذا التميز، أجابه الطالب بأنه اعتاد منذ سنوات أن يخصص ساعة يومية للقراءة الحرة، لا ترتبط بالمناهج المدرسية. يقرأ في التاريخ، والعلوم، والسير الذاتية، ويكتب ملاحظات وأسئلة حول ما يقرأه. وأضاف أن والده كان يشجعه دائماً على التفكير بصوت عالٍ، ومناقشة الأفكار، وعدم الاكتفاء بالحفظ.

هذا الطالب لم يكن عبقرياً خارقاً، بل شاباً مارس «رياضة العقل» بانتظام. ومع مرور الوقت، انعكس ذلك على جميع جوانب حياته؛ فازدادت ثقته بنفسه، وتحسّنت قدرته على اتخاذ القرار، وأصبح أكثر وعياً بما يدور حوله. لاحقاً، حصل على منحة دراسية متميزة، وكان دائماً ما يُشار إليه كنموذج للطالب المفكر لا الطالب الحافظ.

لقد أدرك هذا المثال البسيط ما يغفله كثيرون: أن القراءة ليست ترفاً، وأن السؤال ليس تشكيكاً، بل بداية وعي. فالفضول الإيجابي هو الشرارة الأولى للتفكير، والبحث المستمر هو الوقود الذي يبقي العقل حياً. ومع الأسف، فإن الاعتماد المفرط على الشاشات، ووسائل التواصل، والمحتوى السريع، جعل الكثير من العقول تتخلى عن هذه العادات الصحية.

إن تدريب العقل لا يحتاج إلى أدوات معقدة، بل إلى التزام يومي. قراءة كتاب، كتابة فكرة، حل مسألة، خوض نقاش، أو ممارسة لعبة ذهنية مثل الشطرنج، كلها تمارين بسيطة لكنها فعّالة. فالعقل الذي ندربه اليوم هو الذي سيحمينا غداً من التسرع، ويمنحنا القدرة على الفهم العميق واتخاذ القرارات الصائبة. ويبقى التفكير الواعي أساس التميز الحقيقي، وطريقاً لا غنى عنه لكل من يسعى إلى حياة أكثر نضجاً ووعياً.