لا يتوقف المبدع عن الكتابة لأن أفكاره نضبت، بل لأن الاستمرار في الكتابة يتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل يفوق قدرته على الاحتمال. فالكتابة ليست فعلاً عابراً أو هواية سهلة، بل جهد ذهني ونفسي طويل يتطلب بيئة واعية تقدّر المعرفة وتدعم منتجيها.

يواجه الكاتب، خصوصاً في بداياته، صعوبات واضحة منذ محاولته الأولى للنشر. ففي كثير من الحالات، تغيب آليات التقييم المهني للنصوص، وتتحول عملية النشر إلى تجربة مرهقة يتحمل الكاتب خلالها الأعباء المادية والتنظيمية وحده.

وبعد صدور العمل، لا يجد دعماً كافياً في التوزيع أو الترويج أو النقد المتخصص، ما يجعله يشعر بأن كتابه لم يصل إلى القارئ كما ينبغي، وأن جهده لم يُستثمر بالشكل الصحيح.

ولا تتوقف التحديات عند حدود النشر، بل تمتد إلى غياب منظومة ثقافية متكاملة ترشد الكاتب وتواكب تطوره. فقلّة برامج التأهيل، وضعف منصات الحوار النقدي، وغياب الإرشاد الثقافي، كلها عوامل تعمّق شعور العزلة لدى المبدع، وتجعله يواجه مسيرته الإبداعية دون بوصلة واضحة.

المؤسف أن البعض يعتبر التأليف ترفاً وعملاً يمكن لأي من كان أن يمارسه دون حسيب أو رقيب، ويغفل الدور المهم الذي تؤديه الكتابة ومدى تأثيرها على المجتمع وفائدتها العلمية والإنسانية، قال الإمام الشافعي: «عشت في معشر جهلوا حق الأديب فباعوا الرأس بالذنب».

إلى جانب ذلك، يشكّل الجانب المعيشي تحدياً أساسياً لا يمكن تجاهله، فالكتابة لا توفّر في الغالب دخلاً ثابتاً يضمن الاستقرار، ومع تصاعد متطلبات الحياة يضطر كثير من الكتّاب إلى تأجيل مشاريعهم الإبداعية أو الانشغال بأعمال أخرى، على حساب الكتابة. وفي هذه اللحظة، لا يخسر الكاتب وحده، بل يخسر المجتمع صوتاً كان يمكن أن يسهم في توسيع دائرة الوعي والمعرفة.

كما يعاني المبدع من الإرهاق الذهني والحاجة إلى التوقف المؤقت لإعادة شحن طاقته الفكرية. فالكتابة عملية شاقة تتطلب وقتاً للتأمل والملاحظة، وعندما يتراكم التعب مع الإحباط وقلة التقدير، يصبح الصمت خياراً مؤقتاً، وقد يتحول مع الزمن إلى انسحاب كامل من المشهد الثقافي.

إن دعم الإبداع لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء بيئة ثقافية مهنية تقدّر الكلمة وتمنح الكاتب مساحة آمنة للإنتاج والاستمرار. فالكتابة ليست ترفاً، بل ضرورة ثقافية تسهم في بناء مجتمع واعٍ، قادر على الحوار، ومؤهل للمشاركة في صناعة المستقبل.