مرة جديدة، يدخل العراقيون في تجربة مريرة، ضحيّتها العراق؛ الوطن، الدولة، التعايش، الاستقرار، الأمن.

كنا نأمل أن يبني العراقيون دولة راسخة، قوامها العدالة والشراكة الوطنية، لكن ما نراه من احتقان، وتمترس، واستقطاب، وتنازع، وإقصاء، بل وتصدير للأزمات إلى المحيط، لا يبشّر.

ما شهدته الأنبار قبل يومين من أحداث دامية مؤسفة، كان ممكناً تجنّبه لو كان هناك انفتاح على حوار، أو على الأقل اعتراف بالآخر، لكن من الواضح أنه لم تكن هناك رغبة في التوصل إلى حل وسط، وأنّ الدولة الحاضنة غائبة.. أو مغيّبة.

المشكلة الأبرز في ما يحصل عراقياً، هو الفشل الذريع، بعد أكثر من عقد على التغيير المدعوم أجنبياً، في الانتقال إلى مرحلة دولة المؤسسات والقانون، وتفضيل الحالة الميليشوية ضامناً للشعبية، بالتوازي مع دفن مفهوم المواطنة في دولة تفترض مقوماتها أن تحمل كل معاني الازدهار السياسي والاقتصادي لشعبها.

الحشد الطائفي لا يبني دولة، والإصرار على تغييب سياسة الحوار مع مكونات في المجتمع العراقي، واعتماد لغة القوة سبيلاً وحيداً لحل القضايا العالقة، لا يمكن له بأي حالٍ من الأحوال أن يوصل العراق إلى بر الأمان المفقود، بسبب التيه السياسي، الذي يترجم على الأرض واقعاً معاشاً. وبالتأكيد، فإنّه لا حلّ إلاّ عبر الحوار، من خلال عملية سياسية شاملة، تتيح لمكونات المجتمع كافة الشعور بالمشاركة في بناء المستقبل الديمقراطي.

ومن بديهيات العمل السياسي أنّ الحكومة مسؤولة عن رعاية وحماية أبنائها، وأن تظهر أقصى درجات ضبط النفس، ولا تنجر إلى رد الفعل.

والأكيد أنّ العراق يواجه أزمة تعايش بين مكوناته، ولا حل لذلك إلاّ الحوار وسماع الآخر، لأنّ التحديات المنظورة والبعيدة تهدّد الجميع، وليكن في ما يجري في الجوار عبرة، أو جرس إنذار، فالمآلات التي وصل إليها الوضع في سوريا على سبيل المثال، كان سببها ضياع الحكمة.