أكثر المراقبين إفراطاً في التــشاؤم لم يكن يتوقّع أن يندلع القتال وبهذا الشكل الضاري، في دولة وليدة لم يتجاوز عمرها عامين، دولة هشّة بضّة ينتظرها الكثير الكثير من الجـــهد لبناء دولة مســتقرّة آمنة حديثة متطوّرة، انتظر الكل أن يتكاتف أبناؤها من أجل إنجاز المهمة العسيرة، لكن الخلافات عصفت بالكل وبآليات ليست من السياسة في شيء، بما أعاد إلى الأذهان سيناريو الحرب المؤلم الذي استنزف البلاد موارد وشعباً، مودياً بحياة ما لا يقل عن مليوني شخص في حرب العقود الطوال مع الشطر الشمالي.
اختار أهل الجنوب الانفصال عن الشمال وإنشاء دولة جنوب السودان، وكان الظن أن يتنادى الكل إلى كلمة سواء تعلي من شأن بناء الوطن الوليد وتتجاهل ما دون ذلك، باعتبار أنّ المهام الجسام التي تنتظرها أكبر من أن يحملها شخص مهما بلغ أو فصيل مهما ملك من أغلبية شعبية، إذ إنّ أبجديات الحياة لم تتوفّر بعد في الدولة الوليدة؛ من خدمات أساسية تتمثّل في الماء والكهرباء والمستشفيات والطرق والاقتصاد المتداعي، وفوق هذا وذاك الصراعات القبلية التي تودي بين الحين والآخر بحياة العشرات، وربما المئات في كل مرّة.
اللحظة الراهنة تتطلب الحوار ولا شيء غيره، مهما تباعدت شقة الخلافات والمواقف، فالأوضاع لا تحتمل صراعاً والطرفان يعلمان ذلك جيداً أكثر من غيرهما، فخيار العودة إلى مربع الحرب سيكون كارثياً، ليس على أطرافه فحسب، بل والدولة وربما الإقليم بأكمله، بما يختزنه من قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة.. أمرٌ يحتّم على سلفاكير وخصمه رياك مشار تغليب خيار الحوار والاستماع لصوت العقل، بالجلوس إلى طاولة التفاوض وحل ما بينهما من خلافات، من أجل مصلحة البلاد أولاً وأخيراً.
هي لحظة فارقة في تاريخ دولة جنوب السودان، فإما أن يكتب التاريخ أنّ صراعاً بين رجلين على سلطة ومغانم سلطة، قد أعاد البلاد إلى دائرة الحرب الأهلية بكل ما تكلّف من أرواح وموارد، وإما أن يقول التاريخ إنّ الطرفين تنازلا من أجل مصلحة الشعب.. وعليهما الاختيار.