اتفاق جنيف النووي يتطلب قراءة ثاقبة لما بين السطور، على مستوى تفكيك بنوده من أجل التقييم السليم. على الرغم من ترحيب جميع أطراف الاتفاق، إلا أن هناك إجماعاً على أنه لا يعدو أن يكون خطوة لجهة بلوغ اتفاق شامل. كما أن رهن الاتفاق بفترة زمانية عمرها ستة شهور، يجعل منه مرحلة مؤقتة مشروطة.

ربما ترى طهران في الاتفاق من جانبها، خطوة لجهة تفكيك طوق العقوبات وإنعاش الاقتصاد الإيراني. هذه غاية حملت القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات من شأنها كبح جماح برنامجها النووي. فتحت الضغوط الغربية أدركت إيران أنه لا بد من بيع الطموح النووي مقابل ضخ الحراك في اقتصادها المتيبس، ومن ثم إنعاش شعبية النظام.

بغض النظر عن مدى إمكانية التزام أطراف جنيف ببنود الاتفاق المؤقت، ومن ثم الرهان على الوصول إلى اتفاق شامل، هناك حقائق أخرى يجب التذكير بها وعلى القيادة الإيرانية الوعي بها.

فالملف النووي رغم حيويته لا يمثل المحور الوحيد لأزمات إيران وشعبها، كما أن التركيز على معالجة هذا الملف وحده لن يعيد بناء جبهة داخلية متماسكة خلف النظام. وعلى القيادة الإيرانية أن تدرك كذلك أن رفع العقوبات لن يفضي وحده كذلك إلى إنعاش الوضع الاقتصادي المأزوم، إذ لا يمكن معالجة الأزمة الاقتصادية بمعزل عن السياسة. وفي كل الأحوال لا يمكن بلوغ وضع ايراني مستقر مزدهر، خارج محيطها الإقليمي.

وإذا كانت طهران ترى في اتفاق جنيف مكسباً لها، فعليها أن تدرك أن ذلك جاء عبر الاعتراف بالواقع ونهج الحوار. وفق هذه الرؤية فإن إيران مطالبة بالسعي لبناء جسور حوار مع جيرانها، وعدم القفز فوق التاريخ والجغرافيا، وبث أجواء التطبيع بدلاً من سُحب التوتر، والكف عن التدخل في شؤون جيرانها وتجفيف أقنية الشحن الطائفي.

فمن مصلحة إيران دولة وشعباً أن يعم السلام والاستقرار والحوار في المنطقة، لضمان تدفق النفط وكل المصالح الاقتصادية.