ما لم تغلب الحكمة على الليبيين لجهة القناعة بحتمية جمع السلاح، فإن فوضى ليبيا ستذهب في اتجاه الاستفحال لا محالة على نحو ما حدث أخيراً.
فانفلات الميليشيات المسلحة وضع ليبيا على حافة الانزلاق إلى هاوية حرب المدن، بدءاً من العاصمة طرابلس نفسها.
ولن تُجدي نداءات رئيس الوزراء من أجل ضبط النفس نفعاً، فقاعدة انتشار السلاح أوسع من تطويقها بالنداءات الرسمية، كما أن انفلات الميليشيات بات أكثر شراسة من الاستجابة لنداءات السلطة المركزية غضة الذراع العسكرية.
محاولة ميليشيا مصراتة اقتحام العاصمة طرابلس، تهدد فعلاً بالانزلاق إلى حرب المدن، فوق كونها تدلل بوضوح على مدى هشاشة الدولة تجاه عنف الميليشيات، ذلك أن مجرد التوجه إلى عمليات الثأر والثأر المضاد لا يُشكّل فقط تجاوزاً لآليات الدولة، بل أكثر من ذلك هو يُمثّل قفزاً فوق وجودها.
استفحال العنف المسلح في المشهد الليبي، يتطلب أبعد من عمليات إخماد مظاهره عديدة التفجر ومواساة ذوي ضحاياه ونداءات ضبط النفس المتكررة أو بيانات الأسف على خسائره. فالجهود الليبية يجب أن تنصب على اجتثاث مسببات العنف المسلح، بدلاً من جهود احتواء مظاهره، وأولى الخطوات في هذا الطريق تبدأ بإقناع جميع الأطراف الليبية بتبني لغة الحوار عوضاً عن الاشتباك بالسلاح.
من الممكن استيعاب إحساس بعض الليبيين جهوياً أو قبلياً بظلامات إبان العهد البائد، وإغراء وفرة السلاح عقب انهياره، لكن من المستحيل الإقرار باستخدام السلاح لتسوية الظلامات. اللجوء إلى العنف لا يؤدي إلى المعالجة الناجعة والحاسمة، لكنه يولِّد أشكالاً من العنف أحدها الثأر والثأر المضاد كما ظهر أخيراً.
ليبيا أحوج ما تكون إلى العقل وليس العنف، وحرب المدن تُوسّع هاوية العنف وتُعمّقها.