دلف مسلسل العنف والتوتّر في ليبيا نفقاً آخر أشد ضراوة كماً ونوعاً فلم يكد المشهد يفيق من كابوس الاغتيالات المتكرّرة للقادة الأمنيين وأزمة اختطاف رئيس الوزراء علي زيدان، حتى حلّت عليه واقعة العنف الدامي والاشتباكات التي قضت مضاجع العاصمة طرابلس بخسائر بشرية فادحة قوامها 35 قتيلاً ومئات الجرحى.

خرج المتظاهرون السلميون من أجل مطالب مشروعة كان ينبغي تحقيقها قبل زمن طويل وهي من أبسط حقوقهم الإنسانية «إخلاء طرابلس من السلاح» وكافة مظاهر العسكرة التي خيّمت على المدينة وغيرها من المدن الليبية منذ سقوط القذافي ونظامه قبل نحو عامين فواجهتهم المليشيات المسلّحة بالرصاص، ما تطوّر إلى اشتباكات بين المليشيات نفسها، أمرٌ يؤشّر لخطورة الأوضاع الأمنية في ليبيا لاسيّما العاصمة المكتنزة بالسلاح في كل جحورها.

لعل الواقع على الأرض في منتهى الخطورة على الشعب والدولة في ليبيا ينذر ربما بخطر محدّق قد يجر البلاد إلى المجهول والدخول في نفق «الصوملة» المخيف في ظل عجز الدولة ممثّلة في الجيش والأمن من الإمساك بزمام الأمور في ظل قوة شوكة المليشيات المسلّحة والانتشار الواسع للسلاح في أيدي غير النظاميين.

قامت ثورة 17 من فبراير 2011 من أجل دولة مدنية تحكمها المؤسسات لا العضلات تكون القوّة فيها حصراً على الدولة ممثّلة في جيشها وشرطتها، وهو هدف يجب أن يعمل من أجله الجميع حكومة وشعبا ومليشيات أدّت دورها في خلق الواقع الجديد في ليبيا والآن عليها العودة لصفوف الشعب والعمل في إطار منظومة مدنية واحدة من أجل بناء «ليبيا الجديدة».

نعم، ساعد المجتمع الدولي أهل ليبيا في تقرير مصيرهم والحياة التي يريدون، لكن غاب عنه أنّ ليبيا اليوم في حاجة لمد يد المساعدة أكثر مما سبق، وتحتاج حكومتها إلى الدعمين السياسي والعسكري والتقني أيضاً حتى تستطيع الاضطلاع بمهامها والوفاء بمستحقاتها بما يؤسّس، ليس لسلام في ليبيا فقط، بل والجوار المضطرب.