أصبح الدم العراقي المسفوك في الشوارع خبراً يومياً، وأضحى أمراً اعتيادياً، أدخل العراقيين في طريق دموي وعر، لا تلوح في الأفق نهاية قريبة له. تطورات الوضع العراقي تشير إلى أن البلد ينجرف نحو منزلق تأثيرات الحدث السوري، بشكل يصعب الخروج منه بحلول ترقيعية، ليضفي تعقيداً جديداً على حيثيات الوضع في المنطقة كلها. ويبدو أن كل الأطراف المعنية بالشأن العراقي في الداخل والخارج، يستبقون نتائج الوضع السوري لتسجيل نقاط، كل على حساب الآخر، فوق الأرض العراقية وبدماء العراقيين.
إن صور القتل اليومي الممنهج في بغداد وبقية المحافظات، تقشعر لها الأبدان وأصبحت هي الصورة والخلفية في أذهاننا، بحيث أصبحت الكوابيس أقل وطأة من الواقع الذي تعيشه أرض الرافدين. وإذ نقول بصوت مسموع إن مؤسسات الدولة العراقية فشلت في حماية شعبها، فإننا نؤكد رفضنا القاطع لأي جهة تتوهم أن دماء العراقيين مستباحة، وتحاول فرض مشاريعها للمتاجرة بدماء العراقيين، فشعب العراق لن يكون مشروعا للذبح وتصفية الحسابات بالاستفادة من غياب الحكمة والمسؤولية الوطنية.
الشعب العراقي، رغم التاريخ الدموي الطويل، لم يبلغ ما بلغه اليوم من مهرجان الموت في الطرقات والمدارس والمساجد والأسواق، وفي حقول العراق وبراريه، بل وتفيض الأنهار بجثث أبنائه، حيث تحول العراقي إلى ضحية مدفوعة الثمن في مضاربة سياسية لعينة، مع استغلال الخلل الذي يسمح باستمرار العمليات الإرهابية، في ظل عدم بناء المؤسسة والمنظومة الأمنية على أسس صحيحة، ما يجعلها دائما عرضة للاختراق.
قناعتنا أن العنف الشامل في العراق ليس مشروعا طائفيا، بل خيار سياسي لخلط الأوراق والإبقاء على الانهيار الأمني بما يخدم أجندات خارجية. لا بد أن يتحرك حكماء السنّة والشيعة على حد سواء، بعلمائهم وسياسييهم، للتصدي لحالة الانزلاق المستمر، كما لا بد للحكم العراقي أن يتخلص من جميع القوى المسلحة غير النظامية وسائر الميليشيات الطائفية وإنهاء دورها، وإخضاع جميع المواطنين للقانون والنظام، حفاظاً على وحدة العراق، ووصولاً به إلى تحقيق الأمن والاستقرار. فالشعب العراقي قدم تضحيات كبيرة في سبيل حريته التي لا يمكن أن يفرط فيها من جديد، مهما بلغ عنف الأجندات الإرهابية المقيتة، التي تستهدف الوطن والشعب لتعيد العراق للمربع الأول.