الإشارات الّتي أرسلتها حركة النهضة التونسية بقبول مبادرة اتحاد الشغل، وما يترتب عليها من استقالة الحكومة، تمثل نقلة نوعيّة عنوانها الرئيسي ترسيخ الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف، وتخطي منطق التجاذب الحزبي والاستقطاب الأيديولوجي لفائدة تغليب المصلحة الوطنيّة، وترسم معالم الخروج من الأزمة الراهنة لإتمام ما تبقى من المسار الانتقالي.
إنّ الحوار الوطني، دون سواه، هو الّذي سيُمكّن من الوصول إلى توافقات كبرى ومن إحلال عنصر الثقة وزرع روح جديدة بين مختلف الأطراف السياسيّة ومكونات المجتمع، دون إقصاء أو استثناء وبمسؤوليّة وطنيّة عالية، من أجل إعلان وفاة مرحلة سابقة وميلاد مرحلة أخرى ترفع فيها كلّ المخاوف ويغيب عنها كل مظاهر الفوضى، وتكون هي المعبر لإنهاء المسار الانتقالي بنجاح والوصول إلى مؤسسات الحكم الدائم والمستقر.
هذا ليس «جرد حساب» أو مؤاخذة لأي طرف على مواقفه، وإنما هي دعوة إلى أن ينخرط الجميع بروح وطنية عالية، في عملية الإنقاذ بعيداً عن أي نزعة استعلاء وعن كل أشكال الخطاب الفوقي والتهديدات المبطنة أو المعلنة.. فالكل شركاء في الأزمة، وعلى كل الأطراف أن تكون شريكة في الحل المأمول، الذي لا بد أن يأتي عن طريق الحوار الوطني والتوافق وإعلاء المصلحة الوطنية على غيرها من المصالح الحزبية أو الفئوية الضيقة..
كما أن التحدي الأمني الذي أصبحت تواجهه البلاد يمكن أن يوحد التونسيين، أو معظمهم على الأقل، في سياق ما بات يوصف علناً ورسمياً بالحرب على الإرهاب. ويبدو طبيعياً في ظل الأخطار الأمنية الراهنة والمتصاعدة، أن يضغط الشارع على السياسيين من أجل تأجيل خلافاتهم، لحشد الجهود الوطنية ضد الخطر الذي أصبح يستهدف التونسيين جميعاً، وكسره بالحوار.
إن الحوار المرتقب، سواء رعاه الرباعي بالوساطة أو كان حواراً مباشراً بين مختلف الفرقاء، لن ينجح إلا إذا قدّم كل فريق نصيبه من التنازلات الضرورية. وما دام الفريقان يقبلان ببقاء المجلس التأسيسي، وبحل الحكومة الحالية والاتجاه إلى تشكيل حكومة كفاءات وطنية، فإنه لا خوف من الفراغ، لأن الفريق الوزاري سيواصل تصريف الأعمال إلى حين تشكيل الفريق الجديد.. والدخول في الخطوات التالية لإنهاء المرحلة الانتقالية.