يجد المتابع لما يحدث في العراق نفسه أمام حقائق عدة بدأت تؤسس المشهد وتجعل الكثير من الأعمال محل تساؤل. ولعل أول تلك الحقائق تصاعد التفجيرات في الآونة الأخيرة لدرجة أن العراقيين ألفوا تلك العمليات وأصبحوا معتادين على سماع دويها وتشييع قتلاهم. لكن الخطر الذي أصبح يقلقهم ويثير مخاوفهم هو أن تلك التفجيرات بدأت تأخذ بعدا طائفيا وتمهد لحرب طائفية دون أن يحددوا بدقة من يقف خلفها.
فالعراق يواجه اختراقا كبيرا لجماعات الإرهاب للنسيج الاجتماعي العراقي بعد أن تمكن من إقناع البعض بأفكاره التكفيرية المعادية للتجربة الديمقراطية لتكون حربا شعواء تأخذ طابع الإبادة الجماعية ويدفع ثمنها المواطن العراقي البسيط وتهدد أمن واستقرار العراق، ومن هنا تقع المسؤولية التاريخية على عاتق الجميع للوقوف أمام المخططات الطائفية من خلال تضامن وطني فعال من أجل تجنيب العراق سيناريو الحرب الطائفية.
وإذا كان الأداء الأمني فاشلا في كبح العنف، فإن الأسباب الرئيسة لا تزال حاضرة. منها تصاعد الشحن الطائفي المتبادل، ومساهمة أطراف المعادلة السياسية في إذكاء أجواء الشحن، في ظل غياب التوافق على اقتسام السلطة بين المكونات السياسية وتراجع الاجندات السياسية الوطنية لصالح الأجندات الخارجية.
وعلى القوى السياسية العراقية أن تدرك حجم المخاطر والتحديات التي يواجهها العراق في ظل حالة التصعيد الطائفي الإقليمي ومحاولة بعض الدول إعادة إنتاج الطائفية في البلد على حساب مصالح الشعب العراقي وهويته الوطنية، مستغلة الوضع الإقليمي الصعب جدا وحالة الهيجان الطائفي في المنطقة، وبكل تأكيد لا أحد يمكنه أن يحل الخلافات مع الآخر إلا بالحوار الذي من شأنه أن يجعل العراق يبصر الحلول التي يحاول البعض تغييبها.
إن الشعب العراقي بات يدرك جيدا بأن هنالك من يخطط لأن يبقى العراق ضعيفا، ومن يسعى لأن يبقى البلد بعيدا عن التطور والنهوض، ولكن إرادة الشعب وقواه الوطنية أقوى من الأجندات الخارجية والأحلام الصفراء التي تحاول أن تعيده للماضي.