تعيش مصر على وقع أحداث كثيرة ومتعددة الأوجه تفرض تداعياتها على مشهدها السياسي والميداني بشكل مستمر، لا تنفصل عن إعلان أطراف المعادلة المصرية، مدعومين بحشودهم الشعبية، تأييدهم أو رفضهم، وربما قبولهم مع تحفظات، لمجريات ما يشهده هذا البلد منذ ثورة 25 يناير، ما يجعل الجدل والاعتراض سمة أساسية حول مختلف القضايا العالقة التي يعيشها.
ولأن الأنظار الآن متجهة نحو مصر تراقب التطورات الجارية فيها، باعتبارها لاعباً أساسياً إقليمياً وعالمياً في منطقة الشرق الأوسط، يبقى الملف الدستوري أحد أبرز أوجه هذا الجدل الدائر في مصر، لا سيما حول التعديلات الدستورية التي أقرتها «لجنة العشرة»، وفي مقدمتها تعديل المادة 219 من الدستور، الذي قوبل بترحيب من بعض القوى المصرية، وخاصة من الأقباط، بينما عارضته قوى أخرى مثل حزب النور السلفي الذي هدد بالنزول إلى الشارع في حال إقرارها.
ولا شك أن مثل هذا الجدل الدستوري والسياسي، يظل حالة صحية ما دام في حدود الرأي والرأي الآخر، خاصة في المرحلة الثورية الانتقالية التي تمر بها مصر حالياً، وإزاء موضوع مهم وأساسي مثل الدستور. لكن يجب أن تكون إرادة الأغلبية من الشعب المصري، هي المعيار الأساسي، إضافة إلى الثوابت الوطنية التي أجمعت عليها الدساتير المصرية في كل تاريخها.
ومن هنا أهمية أن يتم إنجاز دستور يحمي الحريات المدنية والسياسية لكل أفراد الشعب المصري، ويحمي الحقوق الأساسية لجميع فئاته، مع الوضع في الاعتبار جميع المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والحريات العامة والفردية، مع وضع الضوابط الدستورية التي تحول دون تركها مواد فضفاضه يمكن التلاعب بها.
إن إعطاء الأولوية لوضع دستور متكامل، يحدد العلاقات بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بصياغات واضحة ومتماسكة، ضرورة أساسية لتلافي أخطاء المرحلة السابقة، ووضع الأمور في مسارها الصحيح، بعد أن أدى قلب الأولويات وإجراء الانتخابات الرئاسية قبل وضع الدستور، إلى ما آلت إليه الأمور من تغول السلطة التنفيذية، ثم استحواذها على كل السلطات في عهد الرئيس المعزول.
وهذا بالتأكيد سيعزز انتصارات الشعب المصري وثورته على الظلم والإرهاب، ويجنبها تكرار الأخطاء السابقة.