لا يمكن للتبريرات أياً ما تكن ألوان طيفها ومقاصدها السياسية أن تقنع أحداً بأن في وسع الخطة الأمنية التي تطبقها حكومة نوري المالكي أن تحقق نجاحاً في المستقبل القريب، ذلك أن الساحة العراقية تشهد كل يوم تفجيرات ومصادمات واشتباكات تشير إلى وجود خلل أمني نتج عنه فشل ذريع في احتواء العنف المتصاعد في البلاد مند أبريل الماضي.
إن ما يشهده العراق من أحداث دامية اليوم، يشبه كثيراً تلك الأحداث التي شهدها في العام 2006، والتي كانت تنذر بنشوب حرب أهلية لولا أن طمستها مبادرات من هنا وهناك، لكنها عاودت ظهورها اليوم، ولربما ستعاود ظهورها فيما بعد، في حال نجحت تحركات السياسيين في العراق في تقليص حجم التوترات والصراعات المذهبية..
والتي وصلت إلى ما وصلت إليه بفعل الانتهازية السياسية التي لم تفكر بادئ الأمر في التسويات الوطنية وسد الطرق بوجه امتدادات الشحن الطائفي، بل وبفعل التفكير بمنطق تهميش عدد من السياسيين دفعت بالعراق إلى هذا الانقسام وغذت امتدادات الشحن الطائفي داخله. هذا الواقع الذي يكتنف المشهد السياسي العراقي، لا يمكن تجاوزه إلا بمشروع غالباً ما يطلق عليه «المصالحة العراقية»، التي تعني الانتقال بالبلد من واقع مزر إلى مرحلة الاستقرار الأمني والسياسي على أمل الانتقال إلى مرحلة «الطمأنينة» وتجاوز رماد وغبار وزوابع ما يجري الآن.
المصالحة الوطنية هي السبيل الأمثل لحقن الدماء، واحتواء الاقتتال الطائفي، وصولاً إلى الحفاظ على وحدة العراق وتحقيق طموحات العراقيين في وطن موحد آمن ومستقر، وهي استباق لسد الطرق بوجه الانقسام الطائفي وعدم استفحاله وتضخمه على نحو ما نشهده اليوم.
وتحقيق مصالحة سياسية حقيقية في العراق، ليست شكلية أو ذراً للرماد والمماطلة، لا يمكن أن ينسجم مع استبعاد هوية بذاتها، سواء على خلفية عداء إثني أو مذهبي أو استبعاد سياسي. كما أن استثناء أي طرف من أطراف ما أطلق عليه (العملية السياسية) من المصالحة يفسح المجال واسعاً، أمام الأعمال غير المتوازنة فتقود إلى التطرف والتدخلات الخارجية، ويمنح الانتهازيين فرصاً مجانية ويزيد التباعد وعدم إمكانية التوصل إلى نقاط مشتركة.