حين انطلقت قبل ثلاث سنوات شرارة ما يسمى بـ«الربيع العربي» الذي تحوّل في بعض صوره إلى «خريف لا يبقي ولا يذر»، كان الفلسطينيون الأكثر تفاؤلاً وتفاعلاً مع تحركات الشعوب في الدول العربية التي شهدت التغيير، وكان فلسطينيو الداخل وأهل التغريبة يأملون بأن تكون الخطوة المقبلة بعد «تطهير» تلك البلدان العربية من أنظمة متهمة بالمتاجرة في القضية الفلسطينية والسعي لفرض الوصاية عليها، كان حلمهم هو وصول أنظمة حكم عربية منتخبة ديمقراطية تعكس تطلعات شعوبها وبالتالي تتجه صوب تحقيق الحلم العربي بالصلاة في القدس المحررة، وعودة فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر بوجهها العربي المشرق.

رغم أن الأحلام الفلسطينية تجاه ما ذكرنا تقترب من عالم طوباوي مثالي حالم بعيداً عن الواقع الجيوسياسي للمنطقة والموازين الدولية ومصالح الدول الكبرى، إلا أن الصدمة تجاه المتغيرات العربية خلال السنوات الثلاث الماضية لم تكن لأسباب سياسية دولية من قبيل ما ذكرنا، ولكن الصدمة جاءت بانحدار ومسار بلدان الربيع العربي، حيث اقترنت التحولات بانهيارات اقتصادية وشيوع حالة فوضى لم تشهدها من قبل وانقسامات واضطرابات اجتماعية وصل بعضها إلى حد سفك الدماء والاقتتال بين الأشقاء، وقبل ذلك وصول جماعات وأحزاب بأجندات مُدعية للتدين وتبطن توجهات إقصائية انقلابية جرى وصف زعمائها وأصحابها لاحقاً بـ«سُرّاق الثورات»، فعاد التفاؤل منكساً رأسه وواجماً يحدق بأسوار القدس بخيبة أمل.

طالما صدّعت رؤوسنا الحركات والأحزاب المتشددة التي كان أغلبها محظوراً في البلدان العربية وملأت الدنيا ضجيجاً بشأن القضية الفلسطينية وتخوين الحكام العرب في بلدان المتغيرات وعمالتهم للصهاينة، وما إن تربع قادة هذه الحركات العروش حتى قلبوا ظهر المجن لقضية فلسطين، بل إنهم يتجهون لبراغماتية بشعة تتخذ من الدين غطاءً وستاراً لمآرب دنيوية بحتة..

وبانشغال شعوب ثورات الربيع العربي بالمشكلات والأزمات المتراكمة والأخرى المقبلة في ركّاب الحكام الجدد وأحزابهم والمشكوك في انتماءاتها الوطنية والقومية، انفرد الاحتلال الإسرائيلي بفلسطين والفلسطينيين ليتخذ خطوات إجرامية بحق الأرض والإنسان وسط صمت عربي ودولي مطبق، والخلاصة فإن تحرير الأرض الفلسطينية سيبقى مؤجلاً إلى حين انعتاق الشعوب العربية من «المنظّرين الخائبين».