عاد الوضع الأمني ليتهاوى مجدداً في العراق، على وقع الخلاف السياسي بين حكومة نوري المالكي وكثير من المكونات السياسية العراقية، فيما يدفع الأبرياء من العراقيين دماءهم ثمناً لهجمات مسلحة، ولا شك أن أسرار الانفلات الأمني «المفاجئ» الذي يشهده العراق بين الحين والآخر، باتت مكشوفة، خاصة أنها تتوازى مع كل مواجهة سياسية تشهدها البلاد.
وعادت قوات وخفافيش الظلام من جديد لتنشر الرعب بين الناس، بافتعال الطائفية الدينية، واستهداف المواطنين داخل الأسواق، في سابقة خطيرة وجديدة لم يشهدها تاريخ العراق الأصيل، تبعد الأمل في وجود حل سياسي، فقد فشلت كل المحاولات للجلوس على طاولة الحوار بغرض لملمة الأحداث، في جو انعدمت فيه الثقة بين الطرفين.
وهذا ما ينذر بمزيد من التوتر والتصعيد، خصوصاً مع تأكيد كثيرين أنه لا وجود لشراكة وطنية بين الأطراف، وإنما ما يجمعهم ليس سوى الخوف من التقسيم، فهل يستطيع الساسة العراقيون تجاوز مصالحهم الخاصة لأجل الوطن؟ أم أن مفهوم الوطن تراجع لصالح المذهب والطائفة والمصالح، وأصبح الوطن عائقاً أمام تحقيق الطموحات، وتنفيذ أجندات غيرهم؟.
ليس من الإنصاف النظر بعين واحدة لما يجري، ولا طريق للخروج من الأزمة إلا بالتهدئة والتعقل، والحوار وتقصي الحقائق بموضوعية، وتنقية الأجواء وصفاء النيات، والاحتكام للدستور ولصوت العقل، ونبذ الخلافات الآنية، والتحلي بالروح الوطنية، والشعور بالمسؤولية التاريخية، إنها مسؤولية الجميع، من ساسة وقوى مجتمعية وقادة رأي، فلا الحكومة وحدها.
ولا المجتمع وحده، ولا البرلمان، ولا أية جهة أخرى تستطيع بمفردها التصدي لهذا الملف الشائك، بل إن القضية لا تتعلق بالداخل العراقي فحسب، وإنما هناك قوى دولية وإقليمية مسؤولة عن بعض مفاصل الأزمة، لكن مصير العراق، أولاً وآخراً بيد أبنائه.
العراقيون سينجحون في إفشال المحاولات الجديدة، كما أفشلوا المحاولات السابقة، لأنهم أدركوا أن نار الفتنة ستحرق الجميع، وأن السير بهذا الطريق سيعيدهم إلى كابوس القتل على الهوية، وأيام الجثث المجهولة الهوية، والتفجيرات الإرهابية التي كانت تصل إلى عشرات التفجيرات في اليوم الواحد في بغداد وحدها.