تنذر التطورات الأخيرة في العراق بدخول هذا البلد، الذي عانى ولا يزال يعاني من ويلات الحروب، مرحلة جديدة من مراحل عدم الاستقرار، وعنوانها هذه المرة، عدم إصغاء الساسة لمطالب قطاعات واسعة من العراقيين، وضربهم عرض الحائط بالكثير من التظلمات التي تحولت إلى اعتصامات واحتجاجات سلمية.

ولكن سياسات العنف، وعمليات إدخال الجيش لفض الاحتجاجات، أدخل الأزمة العراقية نفقاً جديداً، سيستجر ردود فعل عنيفة من جانب المحتجين، الذين بدأ البعض منهم بالتسلح فعلاً، وإعلان حالة العصيان على الحكومة.

وإذا نظرنا إلى المشكلة العراقية بتمعن، فسنجد أن صناديق الاقتراع هي السبب في تصلب أو تعنت النظام، فالبعض في العالم العربي، وهذا حصل في دول أخرى، مثل تونس ومصر، يعتقد بأن فوزه بالانتخابات وباختبار صناديق الاقتراع، يمنح له صلاحيات مطلقة في إلغاء الآخر، والتحكم برقاب ومصائر العباد.

وهذا بحد ذاته فهم ناقص، يناقض جوهر فكرة الانتخاب التي تستهدف تحقيق أقصى قدر من الجماعية في اتخاذ القرار، والمحافظة على حقوق الأقلية مهما صغر حجمها. وليس تكريس ديكتاتورية الأغلبية مهما كبر حجمها.

إن جوهر العملية الديمقراطية يقوم على حكم الأغلبية البرلمانية، التي ينبغي أن تضمن وتحافظ على حقوق الأقلية البرلمانية، وليس سحقها وتهميشها وإرسالها إلى خارج دائرة الاهتمام وصنع القرار، أو تحويل أعضائها إلى مواطني درجة ثانية.

ما يجري في العراق ينذر بعواقب وخيمة، ليس على العراق وحده، بل على عموم المنطقة، ويضع التجربة الانتخابية الديمقراطية في موضع التشكيك، والسبب في ذلك، عدم فهم الآلية الديمقراطية من قبل بعض الأحزاب الشمولية التي وصلت إلى الحكم، نتيجة ظروف تاريخية استثنائية.

ينبغي على الحكومة العراقية أن تستفيد مما جرى في دول الربيع العربي، وألا تدير ظهرها لمطالب المحتجين والمتظاهرين مهما بدا أن حجمهم الانتخابي أصغر من حجم الحكومة، لأن اشتعال جحيم الحرب الأهلية لا يحتاج لأكثر من عود ثقاب، في بيئة كل ما فيها ينذر بوصول الأمور إلى نقطة حرجة، تحتاج إلى حكمة مضاعفة لنزع فتيل الأزمة.