ما من شك في أن وضع عراق ما بعد الاحتلال لا يقل تعقيداً عن وضعه أيام وجوده، فرغم الانسحاب الأميركي من الأراضي العراقية المثخنة بالجراح، واعتبار أن ذلك يصب في صالح تعافي بلاد الرافدين من الآثار المدمرة للاحتلال، إلا أن التركة الثقيلة الملقاة على عاتق أي نظام سياسي حاكم أو سيحكم هذا البلد، لن تجعل إدارة الدفة والإبحار بالسفينة إلى بر الأمانة أمراً يسيراً.

لو أمعنا النظر في مجمل العوائق والأزمات التي تقف في طريق التعافي الكامل للجسد العراقي المنهك حالياً، لوجدناها تندرج في معظمها تحت عاملين أساسيين لا ثالث لهما (إذا ما غضضنا الطرف عن تفاصيل عوامل أخرى أقل أهمية)، العامل الأول يمكن النظر إليه وفق معطيات ومدلولات الحراك الداخلي المرتبط بالكيانات السياسية بجميع أحجامها على الساحة.

ويدخل تحت ظل هذا الحيز أو العامل عنوان عريض بمسمى «الثقة» بين هذه الكيانات، وهو أمر لا يتأتى بالشعارات والتصريحات والصور التي تلتقطها الكاميرات في المؤتمرات، بل إنه يحتاج إلى إرادة حقيقية وصادقة في النظر إلى الآخر بمثابة «الأنا»، والتجرد من مفردات: التخوين والإقصاء والتهميش والتشكيك.. وقائمة تطول من مفردات الصراع التي دفع الشعب العراقي ثمنها نهراً ثالثاً أضيف إلى نهريه دجلة والفرات.

إن الدعوات التي انطلقت من قبل ومن بعد لإعادة الثقة بين الأطراف السياسية، التي تتصالح فتهنأ بغداد والمدن العراقية الأخرى بأمان مؤقت، وتتصارع وتتقاذف التهم في ما بينها فتنقلب صباحات الناس إلى سواد ودخان.. جميعها في يد الساسة أنفسهم، ولا يمكن لأي تفسير أن يبعد عنهم هذه المسؤولية. وهنا يأتي العامل الآخر في المعادلة.

ولا يمكن تطبيقه عملياً إلا مع تنفيذ العامل الأول، وهو يخص إعادة بناء المجتمع العراقي على أسس جديدة بروح الأخوة القديمة، فبناء الدولة والإنسان العراقي من جديد، عقب الكوارث التي حلّت به، لا ينعزل عن طرح مفهوم الثقة والشراكة على أساس المواطنة (لا المحاصصة البغيضة التي خلّفها الاحتلال).. وهذان العاملان يدفعان بجميع تفاصيل الأزمات الأخرى، نحو الحل والإسهام في عودة وجه العراق العربي المشرق.